ثلاث خطوات عاجلة لإعادة ضبط العلاقات بين الاتحاد الأوروبي وتركيا

يرى تحليل سياسي أن التحولات الجيوسياسية المتسارعة في أوروبا والشرق الأوسط تفرض على صناع القرار في الاتحاد الأوروبي وتركيا اتخاذ خطوات فورية ومنسقة لحماية مصالحهم المشتركة، في ظل بيئة أمنية تتجه نحو مزيد من التعقيد وعدم الاستقرار.
ويشير التحليل الصادر عن المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، إلى أن الحروب في أوكرانيا والشرق الأوسط أنهت مرحلة الاستقرار النسبي الذي عاشته أوروبا لعقود، مع تزايد التهديدات الأمنية، من تحركات عسكرية روسية إلى هجمات بطائرات مسيّرة في المجال الأوروبي.
في هذا السياق، تبرز تركيا كلاعب محوري في مختلف ساحات التوتر، من البحر الأسود إلى القوقاز والشرق الأوسط، حيث تمكنت من تثبيت حضورها في ملفات أمنية واستراتيجية متعددة.
ورغم هذا الدور المتنامي، لا تزال العلاقة بين تركيا والاتحاد الأوروبي رهينة مسار انضمام متعثر، دون تحقيق تقدم ملموس في ملفات حيوية مثل تحديث الاتحاد الجمركي أو تحرير التأشيرات.
وتتهم أنقرة بروكسل باستخدام معايير سياسية لتعطيل التعاون، بينما تتجه تركيا إلى تعزيز علاقاتها الثنائية مع دول أوروبية بشكل منفصل، في محاولة لكسر الجمود القائم.
غير أن المشهد الجيوسياسي الحالي يفتح، بحسب التحليل، نافذة لإعادة صياغة العلاقة على أسس أكثر واقعية، قائمة على المصالح المشتركة وليس فقط الاعتبارات السياسية التقليدية.
وتتجلى هذه المصالح في عدة ملفات، أبرزها دعم أوكرانيا، حيث عززت تركيا تعاونها الدفاعي مع كييف بما يتماشى مع الأهداف الأوروبية، إضافة إلى دورها في ملفات سوريا والهجرة ومكافحة الإرهاب.
كما لعبت أنقرة دوراً بارزاً في جنوب القوقاز، من خلال دعم أذربيجان وإعادة فتح قنوات الحوار مع أرمينيا، في تحركات تتقاطع مع المصالح الأوروبية في تحقيق الاستقرار الإقليمي.
وفي ضوء هذه المعطيات، يقترح التحليل ثلاث خطوات رئيسية لتعزيز التعاون بين الطرفين:
أولاً، تفعيل التعاون الأمني في منطقة البحر الأسود، حيث تلعب تركيا دوراً أساسياً بصفتها حامية للمضائق، مع إمكانية دعم الاتحاد الأوروبي عبر تعزيز قدراته في الاستخبارات والمراقبة ضمن إطار مشترك، بما يشمل إنشاء مركز أمني بحري يسهم في دعم أوكرانيا وإعادة إعمارها.
ثانياً، إضفاء الطابع المؤسسي على التنسيق في جنوب القوقاز، عبر إنشاء منصة مشتركة بين الاتحاد الأوروبي وتركيا لإدارة النزاعات وحماية البنية التحتية، بما يحد من النفوذ الروسي ويعزز التنافس مع الاستثمارات الصينية في الممرات التجارية.
ثالثاً، دعم الجهود التركية في الوساطة ضمن الحرب مع إيران، من خلال تنسيق دبلوماسي منتظم وتوحيد الرسائل بشأن خفض التصعيد، مستفيدين من موقع تركيا الذي يتيح لها التواصل مع أطراف متعددة، بما في ذلك الولايات المتحدة وإيران.
ويشير التحليل إلى أن نجاح هذه الخطوات يتطلب بناء آليات مؤسسية مرنة، مثل الحوارات الأمنية المنتظمة وفرق العمل المشتركة، لتحويل التعاون من مستوى ظرفي إلى شراكة استراتيجية طويلة الأمد.
كما يؤكد أن هذا التوجه يحظى بدعم نسبي داخل المجتمع التركي، حيث تظهر استطلاعات الرأي أن شريحة واسعة من الأتراك ترى في الاتحاد الأوروبي شريكاً أساسياً، متقدمين بذلك على الولايات المتحدة والصين.
لكن في المقابل، يواجه هذا المسار تحديات سياسية داخل الاتحاد الأوروبي، خاصة من قبل دول مثل اليونان وقبرص، التي استخدمت حق النقض مراراً للتأثير على مسار العلاقة مع تركيا.
ورغم ذلك، يرى التحليل أن التغيرات الجيوسياسية قد تفرض إعادة النظر في هذه المواقف، خاصة مع تزايد التهديدات الأمنية التي تتطلب استجابات جماعية.
ويشدد على أهمية اعتماد نهج تدريجي يبدأ بالتعاون الأمني لبناء الثقة السياسية، قبل الانتقال إلى ملفات اقتصادية مثل تحديث الاتحاد الجمركي وتحرير التأشيرات.
ويخلص إلى أن هذا النهج لا يعني التخلي عن القيم الأوروبية، بل إعادة ترتيبها ضمن إطار استراتيجي، يوازن بين المصالح الأمنية والاعتبارات المعيارية، بما يسمح ببناء شراكة أكثر استقراراً وفاعلية في مواجهة التحديات الإقليمية.




