ازدراء أمريكي وصمت بريطاني: كيف فقدت لندن مكانتها في ظل تقلبات واشنطن؟

تكشف التحولات الأخيرة في العلاقة بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة عن واقع سياسي متدهور، حيث لم تعد ما يُعرف بـ”العلاقة الخاصة” سوى غطاء هش لعلاقة غير متكافئة يغلب عليها الازدراء من جانب واشنطن، مقابل تردد وضعف واضح في الموقف البريطاني.
ورأى تحليل صادر عن المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية أن تصريحات ومواقف الإدارة الأمريكية، بقيادة دونالد ترامب، تعكس تحولاً حاداً في طريقة التعامل مع الحلفاء، إذ لم تعد لندن تُعامل كشريك استراتيجي متكافئ، بل كطرف تابع يسعى لإرضاء واشنطن دون أن يمتلك أدوات حقيقية للتأثير في قراراتها.
وبحسب التحليل فإن محاولات رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر للتمايز عن السياسات الأمريكية، خاصة فيما يتعلق بالحرب في الشرق الأوسط، قوبلت بردود فعل أمريكية اتسمت بالاستخفاف والازدراء، ما يبرز حجم الفجوة بين الطرفين.
وقد تعززت هذه الصورة مع تصريحات شخصيات نافذة في التيار المؤيد لترامب، والتي شككت علناً في جدوى العلاقة مع بريطانيا، معتبرة أن التحالف لم يعد قائماً على أسس حقيقية، بل على اعتبارات شكلية لا تعكس واقع القوة والنفوذ.
ويشير هذا التحول إلى تآكل تدريجي في مكانة بريطانيا داخل منظومة التحالفات الغربية، حيث لم تعد قادرة على لعب دور الوسيط المؤثر أو الشريك القادر على فرض شروطه، رغم استمرارها في تبني سياسات تتماهى مع التوجهات الأمريكية.
ويربط مراقبون هذا التراجع بعوامل تاريخية واستراتيجية، أبرزها اعتماد بريطانيا المزمن على الولايات المتحدة في المجالات العسكرية والاستخباراتية، وهو ما حدّ من استقلالية القرار البريطاني، وجعل لندن أكثر عرضة للضغط السياسي.
كما ساهمت تحولات ما بعد الحرب العالمية الثانية، خصوصاً بعد أزمة السويس، في ترسيخ هذا الاعتماد، حيث اختارت بريطانيا تعميق ارتباطها بواشنطن بدلاً من بناء استقلال استراتيجي مشابه للنموذج الفرنسي.
في المقابل، أدى خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي إلى إضعاف موقعها أكثر، بعدما فقدت إحدى ركائز قوتها الأساسية، وهي البعد الأوروبي، ما جعلها أقل أهمية في الحسابات الأمريكية التي باتت تنظر إليها كدولة منفردة لا تمثل ثقلاً إقليمياً واسعاً.
ويظهر هذا التراجع أيضاً في الجانب العسكري، حيث تشير تقارير إلى تآكل القدرات الدفاعية البريطانية مقارنة بحلفائها، ما انعكس على نظرة المؤسسة العسكرية الأمريكية التي باتت ترى في بريطانيا شريكاً أقل كفاءة وتأثيراً.
كما أن التغيرات في طبيعة النظام الدولي، وتصاعد التنافس بين القوى الكبرى، دفعت واشنطن إلى إعادة ترتيب أولوياتها، مع التركيز على مناطق مثل المحيط الهادئ، وهو ما زاد من تهميش الدور البريطاني في الاستراتيجية الأمريكية.
رغم ذلك، تستمر المؤسسات البريطانية، خاصة الأمنية منها، في التمسك بالعلاقة مع الولايات المتحدة، في ما يصفه بعض المحللين بأنه سلوك يعكس حالة من “الاعتماد المزمن”، أو حتى ما يشبه العلاقة غير المتكافئة التي تفتقر إلى التوازن.
في هذا السياق، تبرز تساؤلات متزايدة داخل الأوساط السياسية البريطانية حول جدوى هذا النهج، خاصة مع تراجع القدرة على التأثير في القرارات الأمريكية، مقابل استمرار التبعية السياسية والاستراتيجية.
ويشير خبراء إلى أن استعادة بريطانيا لمكانتها الدولية تتطلب إعادة صياغة استراتيجيتها الخارجية، من خلال تعزيز علاقاتها الأوروبية، والمشاركة في بناء منظومة دفاعية أكثر استقلالاً، بدلاً من الاعتماد شبه الكامل على الولايات المتحدة.
كما أن إعادة النظر في نتائج “بريكست” تبدو ضرورية، في ظل إدراك متزايد بأن الانفصال عن الاتحاد الأوروبي أضعف موقع بريطانيا التفاوضي، وقلل من قدرتها على المناورة في الساحة الدولية.




