أوروبا تتحرك لفرض شروط السلام: مواجهة دبلوماسية ترامب العائلية في غزة وأوكرانيا

تكشف التطورات المتسارعة في ملفات غزة وأوكرانيا عن تحرك أوروبي متنامٍ لإعادة صياغة قواعد التفاوض الدولي، في مواجهة نمط دبلوماسي أمريكي يقوده الرئيس دونالد ترامب ويعتمد على شبكة من الأصدقاء والعائلة ورجال الأعمال خارج الأطر التقليدية.
ويرصد تحليل صدر عن المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، أن هذا النهج الأمريكي، الذي يدمج بين المصالح السياسية والاقتصادية الخاصة، بات يشكل تهديدًا مباشرًا للمصالح الأوروبية، خصوصًا مع تراجع دور المؤسسات الرسمية والخبراء في إدارة ملفات حساسة مثل البرنامج النووي الإيراني والحرب في أوكرانيا والعدوان على غزة.
ويكشف التحليل أن المبعوثين المقربين من ترامب، ومن بينهم رجال أعمال بارزون، يقودون مفاوضات معقدة دون امتلاك المعرفة الكافية بتفاصيل الملفات، وهو ما ظهر في محادثات جنيف مع إيران التي جرت دون إشراك خبراء نوويين، وانتهت دون نتائج ملموسة.
ويعتمد هذا النموذج الدبلوماسي على نمط واضح يقوم على الضغط على الطرف الأضعف أولًا، وهو ما انعكس في مقترحات التفاوض بشأن غزة وأوكرانيا، حيث طُلب من الأطراف الأضعف تقديم تنازلات تتعلق بالأراضي والسيادة، بما يخدم مصالح القوى الأقوى مثل روسيا وإسرائيل.
وتؤكد مصادر أوروبية أن هذا النهج يؤدي إلى نتائج عكسية، إذ يعزز من شعور الظلم لدى الأطراف الضعيفة ويدفعها إلى إعادة تنظيم صفوفها واستئناف الصراع، وهو ما يفسر استمرار الحرب في أوكرانيا وتصاعد التوتر في غزة رغم المساعي الدبلوماسية.
وترصد أوروبا أيضًا نمطًا ثانيًا يتمثل في تأجيل القضايا الجوهرية، مثل الأمن والسيادة وإعادة الإعمار، لصالح تحقيق اتفاقات سريعة شكلية، وهو ما يجعل أي تسوية عرضة للانهيار في وقت قصير.
في غزة، يبرز غياب خطة واضحة لضمان الأمن أو حماية المدنيين أو فرض وقف إطلاق النار، في ظل استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية ومنع تدفق المساعدات، مقابل رفض الفصائل الفلسطينية التخلي الكامل عن سلاحها.
أما في أوكرانيا، فتستمر روسيا في حرب الاستنزاف معتمدة على غموض الضمانات الأمنية الغربية، فيما تراهن موسكو على تحقيق مكاسب سياسية على طاولة المفاوضات تعجز عن تحقيقها عسكريًا.
وتدفع هذه المعطيات أوروبا إلى تبني استراتيجية أكثر صرامة، تقوم على استخدام أدوات الضغط الاقتصادية والسياسية لإعادة التوازن في المفاوضات، بدل الاكتفاء بدور المراقب.
وتتحرك دول أوروبية لزيادة الضغط على روسيا من خلال استهداف صادرات الطاقة، خصوصًا عبر تشديد الرقابة على السفن الناقلة للنفط، إضافة إلى استخدام الأصول الروسية المجمدة كورقة ضغط لإجبار موسكو على تعديل موقفها التفاوضي.
في المقابل، تعزز أوروبا تعاونها مع دول الخليج في ملف غزة، مستفيدة من نفوذ هذه الدول في واشنطن، للحد من الدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل، والدفع نحو مسار سياسي يتضمن انسحابًا إسرائيليًا وإقامة دولة فلسطينية.
وتؤكد دوائر أوروبية أن هذا التنسيق ساهم بالفعل في تعديل بعض الطروحات الأمريكية، خصوصًا التراجع عن أفكار تهجير الفلسطينيين، رغم استمرار العقبات أمام فرض حل شامل.
وترى أوروبا أن أحد أخطر أوجه النهج الأمريكي يتمثل في ربط عمليات السلام بمشاريع تجارية خاصة، تشمل استثمارات في غزة ومشاريع معادن ومناطق اقتصادية في أوكرانيا، ما يحول التفاوض إلى منصة لتحقيق أرباح بدل تحقيق الاستقرار.
وتكشف تقارير أن مقترحات إعادة إعمار غزة تتضمن مشاريع عقارية ومنتجعات ومناطق اقتصادية تخدم مصالح شركات أجنبية، مع تهميش واضح للدور الفلسطيني في إدارة مستقبل القطاع، وهو ما يهدد بإفشال أي تسوية مستدامة.
في أوكرانيا، تبرز خطط مشابهة لاستغلال الموارد الطبيعية ضمن ترتيبات تقودها شركات غربية، دون مراعاة أولويات إعادة الإعمار أو احتياجات السكان المحليين، ما يعمق فجوة الثقة ويهدد الاستقرار طويل الأمد.
وتتحرك أوروبا في هذا السياق لفرض شروط واضحة على أي تمويل أو دعم سياسي، تشترط فيه ضمان مشاركة محلية حقيقية وشفافية في إدارة المشاريع، وربط أي استثمار بتحقيق الاستقرار السياسي والأمني.
وتشدد العواصم الأوروبية على ضرورة توظيف قوتها الاقتصادية، باعتبارها الشريك التجاري الأكبر لإسرائيل والداعم الرئيسي لأوكرانيا، لفرض معادلة جديدة توازن بين الأمن والتنمية، بدل ترك الساحة لمبادرات غير رسمية تقودها مصالح خاصة.
وتعكس هذه التحركات إدراكًا أوروبيًا متزايدًا بأن ترك مسار التفاوض بيد شبكات غير رسمية سيؤدي إلى اتفاقات هشة، وأن فرض شروط واضحة أصبح ضرورة لحماية الأمن الأوروبي ومنع تفجر صراعات جديدة.
وتؤكد التقديرات أن أوروبا لم تعد تكتفي بانتقاد النهج الأمريكي، بل تسعى إلى استغلال نقاط ضعفه لإعادة تشكيل مسارات التفاوض، وفرض حضورها كطرف رئيسي في صياغة مستقبل غزة وأوكرانيا.
وتختتم التقييمات الأوروبية بأن تحقيق السلام لا يمكن أن يقوم على صفقات اقتصادية أو ضغوط أحادية، بل يتطلب توازنًا حقيقيًا يضمن مشاركة الأطراف المحلية، ويضع الأمن في مقدمة الأولويات، وهو ما تسعى أوروبا إلى فرضه كقاعدة جديدة في النظام الدولي.




