مقالات الرأي

كيف تقوم الإمارات بإعادة ضبط سياستها في منطقة الخليج

كان هناك تخفيف ملحوظ في التوترات في الخليج والشرق الأوسط خلال العام الماضي. استأنف العديد من الأطراف المتعادية اتصالاتهم—على الرغم من أن هناك تردد في وضع ذلك في إطار “الحوار” حتى الآن—ما يشير إلى أن قادة المنطقة يعيدون ضبط التوازنات بعد السنوات المتهورة وغير المتوقعة أثناء رئاسة دونالد ترامب في الولايات المتحدة.

الإمارات العربية المتحدة هي واحدة من أكثر الفاعلين ديناميكيةً وتنوعًا وقوةً، حيث كانت تُبرز نفسها عسكريًا في مسارح إقليمية مختلفة لعدة سنوات، لكنها تقول الآن أنها تتحول إلى سياسة تركز بشكل أكبر على الدبلوماسية.

يشار إلى الإمارات في بعض الأحيان، بشكل مثير للإعجاب أو باستخفاف، بـ “إسبرطة الصغيرة”—وهي كناية عن قوة تتخطى ثقلها في منطقة متقلبة. (يبدو أن هذا اللقب جاء من الجنرال جيمس ماتيس، وزير دفاع الأمريكي الأول في عهد ترامب).

تقع المملكة العربية السعودية على حدودها، وهي حليف صعب في أفضل الحالات. وعلى الضفة الأخرى من مياه الخليج، الذي هناك تنازع بين الدول على مسماه—خليج فارسي أو عربي—تقع إيران.

في حين يرى القادة الإماراتيون أيضًا تهديدًا في أيديولوجية جماعة الإخوان المسلمين، وهي حركة إسلامية تتمتع بدعم واسع النطاق في جميع أنحاء الشرق الأوسط وتشارك في السياسة البرلمانية، على الأقل حيثما يُسمح بذلك، إلا أنهم منزعجون بشكل خاص مما يرون أنه طموح إيران للهيمنة على المنطقة.

اعتمدت الإمارات، إلى جانب السعودية وغيرها، منذ فترة طويلة على الجيش الأمريكي للحماية من هذا العدو في الجهة المقابلة من الخليج. تكمن المشكلة، من وجهة النظر الإماراتية، في أنها ترى أن الولايات المتحدة في ظل رؤساء متعاقبين، إن لم تكن تنسحب من المنطقة، أصبحت على الأقل شريكًا أقل موثوقية مما كانت عليه في السابق—من جورج دبليو بوش إلى باراك أوباما إلى ترامب والآن حتى جو بايدن.

ولذا قررت الإمارات أن تخطو خطوة إلى الأمام وتحاول أن تصبح ما يمكن أن يسميه المرء “إسبرطة الصغيرة التي يمكنها” أن تنطلق بقوة في مسار تعتمد فيه بشكل أقل على الحماية العسكرية الأمريكية، وتعتمد بشكل أكبر على الذات من الناحية الأمنية بشكل عام، ويكون لها تنوع أكبر في علاقاتها الخارجية، مع توفير فرص أكبر لريادة الأعمال لديها، وأن تكون أكثر حزمًا في الدفاع عن مصالحها الإستراتيجية وتعزيزها.

فرضت الظروف هذه الاستراتيجية الجديدة، واتبعتها الإمارات بقوة واتساق كبير، على الرغم من الانتكاسات، التي كان أبرزها في اليمن وليبيا، حيث تراجعت تدخلاتها العسكرية ودعمها للشركاء المحليين.

هذا لا يعني أن علاقة الإمارات مع كل من السعودية والولايات المتحدة قد تراجعت، حتى لو كانت بعض الإجراءات التي اتخذتها والتلميحات التي أظهرتها تشير إلى محاولة حث واشنطن على إعادة الالتزام الكامل بشراكتهما الاستراتيجية بدلًا من السماح بتراخي العلاقات بشكل أكبر.

لقد طورت الإمارات علاقات تجارية قوية مع الصين، على سبيل المثال، وزار قادتها مؤخرًا كل من موسكو ودمشق. كانت هناك أيضًا تقارير غير مؤكدة تفيد بأن الصين تنشئ نوعًا من القواعد أو الوجود العسكري على الأراضي الإماراتية.

يدرك قادة دول الخليج العربية أنه في حين أن دور الصين العالمي قد يلوح في الأفق ويجب أن يتم الانخراط معها، إلا أنه لا بديل حقيقي للمظلة العسكرية الأمريكية في الخليج في الوقت الحالي. لكنهم ما زالوا يسألون أنفسهم، هل ستأتي الولايات المتحدة لنجدتهم في الوقت المناسب، إذا ما واجهوا تهديدًا حقيقيًا؟

أدى هذا التصور المتنامي بعدم القدرة على الاعتماد الكامل على الحماية الأمريكية إلى قيام الإمارات بعمل توازن دقيق في مواجهة أعدائها وشركائها على مدى السنوات القليلة الماضية. دعمت الإمارات سياسة “الضغط القصوى” التي شنها ترامب على إيران بعد أن سحب ترامب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الإيراني في عام 2018، بإلحاح من الإمارات. وأضفت الطابع الرسمي على علاقتها الأمنية غير الخفية مع إسرائيل من خلال التطبيع الدبلوماسي الكامل العام الماضي.

لكن عندما أدركت الحكومة الإماراتية أن استراتيجية الولايات المتحدة لم تكن ناجحة أو حتى كان لها نتائج عكسية في ظل حكم ترامب، قامت بعد ذلك بإيماءات تصالحية تجاه إيران خلال العام الأخير لترامب في منصبه، وخاصة من النوع الإنساني بعد تفشي جائحة فيروس كورونا. كما أبقت قنوات اتصال مفتوحة حول القضايا ذات الاهتمام الاستراتيجي—والتي أبرزتها سلسلة من الزيارات رفيعة المستوى لمسؤولين أمنيين إماراتيين إلى طهران منذ عام 2019—والتي قلل من شأنها المسؤولون في أبو ظبي في أنها لا تعدو أن تكون مجرد “اجتماعات فنية.”

كان انفتاح الإمارات تجاه إسرائيل أمرًا حساسًا بشكل خاص. وفقًا لمحادثاتي الأخيرة في أبو ظبي، أخبر القادة الإيرانيون أحد الوفود الإماراتية الزائرة إلى طهران أنه يمكن أن يتسامحوا مع سعي الإمارات لتحسين العلاقات التجارية مع إسرائيل، لكن أي تعزيز إضافي للعلاقة الأمنية بين البلدين سيكون أمرًا غير مقبول، خاصة إذا سمحت الإمارات لإسرائيل بالوصول إلى الخليج.

يتردد صدى الخطوط الحمراء التي تضعها إيران في دول الخليج العربية، حيث رأى المسؤولون السهولة التي تسببت فيها ضربات أسراب الطائرات بدون طيار، التي أعلن الحوثيون في اليمن المسؤولية عنها لكن يشتبه أن مصدرها إيران، في تعطيل نصف إنتاج المملكة من النفط في سبتمبر/أيلول 2019.

ومع ذلك، من وجهة النظر الإماراتية، فإن علاقتها الناشئة مع إسرائيل هي في الأساس بوليصة تأمين، وهي بوليصة مصممة بشكل أقل ضد صد هجوم إيراني مباشر على الإمارات منها ضد أن تصبح الإمارات ضرر جانبي في أي حرب مستقبلية بين إسرائيل—بدعم أمريكي أو بدونه—وإيران.

تشير محادثاتي الأخيرة مع المسؤولين في أبو ظبي إلى أن الإمارات تريد أن يتم إشراكها إذا ما بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل مناقشة الاستخدام المحتمل للقوة ضد إيران، لكي تكون بمثابة قوة تهدئة والتأكيد على أن هدفهم المشترك يجب أن يكون احتواء إيران وليس محاولة إخضاعها.

تقوم الإمارات أيضًا بالتحوط في رهاناتها فيما يتعلق بالاتفاق النووي الإيراني، المعروف رسميًا باسم خطة العمل الشاملة المشتركة. عندما أطلقت الولايات المتحدة وإيران مفاوضات نووية خلال إدارتي أوباما وروحاني، أعربت الإمارات، كما هو الحال في السعودية، عن استيائها.

واعتبرت أن عرض القوة في الإقليم الذي تقوم به إيران—وطموحاتها المزعومة للهيمنة على الخليج، والتي تتجلى في دعمها للجماعات المسلحة غير الحكومية—وبرنامجها للصواريخ الباليستية أكثر أهمية بكثير من وضع حد لبرنامجها النووي.

اليوم، وعلى النقيض من ذلك، أبلغت الإمارات المسؤولين الأمريكيين الذين يزورون المنطقة أنها تدعم جهود إحياء الاتفاق النووي الإيراني، وفقًا للمحادثات الأخيرة التي أجريتُها مع مسؤولين إماراتيين. قد يشير هذا إلى أن الحكومة الإماراتية قد أذعنت لهذا الاحتمال، لكنها ربما تتنبأ بهدوء بأن هذه الجهود ستبوء بالفشل. (في تعليقات في أبريل/نيسان الماضي، قال سفير الإمارات لدى واشنطن يوسف العتيبة أن إدارة بايدن يجب أن تستخدم نفوذها لإبرام اتفاق نووي “أفضل” وأنها كانت “في مقعد القيادة للوصول إلى نقطة حيث يمكننا معالجة ما أعتقد أنها أوجه قصور في خطة العمل المشتركة الشاملة.”)

وفي كلتا الحالتين، يجب أن يوفر أي دعم إماراتي لتجديد المحادثات النووية الراحة للمسؤولين في واشنطن وطهران الذين يريدون إنقاذ الاتفاق، لكن لن يكون لها تأثير كبير. شددت الحكومة الإماراتية باستمرار، في مناقشاتها مع المسؤولين الأمريكيين، على اهتمامها الأساسي وأولويتها الاستراتيجية: الحاجة إلى إشراك إيران فيما تراه الإمارات على أنه عرض لقوتها وطموحاتها الواضحة للهيمنة على المنطقة.

من خلال المضي في هذا المسار، تُظهر الإمارات نفسها على أنها القوة الأكثر طموحًا وريادة في المنطقة بعد إسرائيل. غالبًا لا تكون الإمارات دولة محبوبة نتيجة لذلك. يشعر الفلسطينيون بالخيانة بسبب انحياز الإمارات لإسرائيل في “اتفاقات إبراهام” العام الماضي، لكن لا يزال بإمكانهم الاعتماد على الدعم الشعبي بين قطاعات كبيرة من العالم العربي—بما في ذلك في الإمارات نفسها—التي ترفض صفقات التطبيع التي يُبرمها قادتهم.

كما لم تربح الإمارات أي شيء من مشاركتها في الحروب الأهلية الطويلة والوحشية في ليبيا واليمن، حيث أدت الهجمات العسكرية من قبل شركائها المحليين التي دعمتها إلى دمار واسع النطاق.

إنّ جيران الإمارات الآخرين والدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي، خاصة قطر وعمان، قلقون من طموحاتها، حيث أن لكل دولة أسبابها الخاصة، ما يجعل مجلس التعاون الخليجي غير مجدي ككيان للتعاون الإقليمي.

لا تسعى قيادة الإمارات إلى أن تكون محبوبة، بالطبع، ولكن يجب أن تشعر بالقلق من أنها—بغض النظر عن إسرائيل والسعودية والولايات المتحدة—ولّدت الكثير من العداء في جميع أنحاء المنطقة. وهي تشرع الآن في ما وصفه لي مسؤولوها بأنها سياسة “تصفير الأعداء في المنطقة.”

يجب أن يأملوا أن تتفوق هذه الجهود على جهود تركيا التي كانت تطمح إلى نفس الشيء قبل عقد من الزمان وحصلت على النتيجة المعاكسة.

يتطلب هذا التعديل التكتيكي قدرًا أقل من استعراض العضلات والمزيد من الدبلوماسية. ويشمل ذلك الانخراط في محادثات مع الدول ذات الثقل الإقليمي، تركيا وإيران، حول القضايا الثقافية أولًا، كَلَبِنات لبناء الثقة، مع التجاهل في الوقت الحالي لـ “الأمور الشائكة”—القضايا الأمنية “الصعبة،” بحسب تعبير أحد المسؤولين الإماراتيين. لا أحد بإمكانه تخمين ما إذا كان بإمكان “إسبرطة الصغيرة” تحقيق ذلك.

جوست هيلترمان مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في مجموعة الأزمات الدولية

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى