دراسات وابحاث

معهد دولي: أطماع الإمارات بالتوسع والنفوذ تتصدر سياساتها الخارجية

رصد “المجهر الأوروبي لقضايا الشرق الأوسط” دراسة لمعهد دولي تؤكد أن أطماع الإمارات العربية المتحدة بكسب التوسع والنفوذ تتصدر سياساتها الخارجية على الرغم من انفتاحها على الحوار مؤخرا مع خصومها الإقليميين.

وقال “المجهر الأوروبي” ـوهو مؤسسة أوروبية تعنى برصد تفاعلات قضايا الشرق الأوسط في أوروباـ إن الدراسة الصادرة عن معهد كارنيغي الدولية تسلط الضوء على أن حسابات التدخل أو الدعم العسكري لم تختفِ من أجندة السياسة الخارجية الإماراتية.

وأشارت الدراسة إلى زيارة مستشار الأمن الوطني الإماراتي طحنون بن زايد، قبل أسابيع، إلى إيران باعتبارها دليلا أن حسابات الإمارات المتغيرة فيما يتصل بعلاقة أكثر براغماتية وواقعية مع جارتها الإقليمية لا تخلو أيضا من الفوائد الأمنية والاقتصادية.

وجّه طحنون الدعوة لإبراهيم رئيسي للقيام بزيارة نادرة إلى دولة الإمارات، إذ لم يقم أي رئيس إيراني بزيارة الإمارات منذ2007.

جاءت الدعوة خلال اجتماع طحنون بالقادة الإيرانيين في طهران في 6 من ديسمبر/ كانون الأول 2021. ونقل عنه قوله إن الزيارة ستكون “نقطة تحول” في العلاقات.

تُدشّن الإمارات العقد الثالث من هذه الألفية بالانفتاح على خصومها ومنافسيها، إيران وتركيا وقطر، ضمن نهج جديد يقوم على بناء الجسور مع المحيط، وخفض التصعيد وانتهاج سياسة “صفر مشاكل” مع الجيران والأطراف الإقليمية، وذلك لتجنب أي مواجهات جديدة في المنطقة بينما تسعى أبوظبي للتركيز على اقتصادها في مرحلة ما بعد جائحة كوفيد-19.

في هذه المرحلة يبدو جليا التركيز على الحلول الدبلوماسية، وعلى توظيف القوة الناعمة خدمة لتوسيع المصالح الاقتصادية والشراكات التجارية للدولة، لا سيما في ظل انطلاق دولة الإمارات لحقبة ما بعد يوبيلها الذهبي واستراتيجياتها للخمسين عاماً المقبلة، وسط منافسة قوية من جارتها الكبرى في مجلس التعاون، السعودية، تلك المنافسة التي تعكس من جانب آخر تبدّل التحالفات داخل المجلس نفسه.

بالنسبة لأبوظبي، في هذه المرحلة تتراجع أدوار القوة الصلبة والانتشار العسكري التي صبغت هامشاً مهمّاً من حراك الإمارات الإقليمي في فترة ما بعد الربيع العربي، وتتوسع أدوار القوة الناعمة دون إغفال رغبة الإمارات في تمكين نفسها من أدوات الردع الاستراتيجي، ومن ذلك طائرات أف-35 المنتظرة وأسطول طائرات رافال التي اشترتها من باريس لدى جولة الرئيس ماكرون الخليجية بداية ديسمبر / كانون الأول2021.

لكنّ ذلك يطرح استفهامات بشأن سباق تسلّح في المنطقة، كما يثير تساؤلات حول مدى تراجع مقولة “إسبارطة الصغرى” ومدى تراجع الرغبة لدى أبو ظبي في التدخلات العسكرية في المنطقة.

مؤخراً، أوردت “نيويورك تايمز” أن الإمارات وتركيا وإيران زوّدت قوات رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد بأحدث الطائرات المسلحة من دون طيار التي قلبت موازين الحرب في إثيوبيا لصالح القوات الحكومية ضد جبهة التيغراي.

هذا يؤكد، إنْ صحَّ (حيث نقلت نيويورك تايمز نفياً إماراتياً لذلك)، أن حسابات التدخل أو الدعم العسكري لم تختفِ من أجندة السياسة الخارجية الإماراتية.

الحوار بديلاً عن المحاور

لطالما نظرت الإمارات إلى الهيمنة الإقليمية الإيرانية على أنها واحدة من أكبر التهديدات لأمنها الوطني. كما أن أبوظبي قلقة بشكل خاص من احتمال وجود إيران مسلحة نووياً.

وبحركتها الدبلوماسية تجاه تركيا وإيران، تشير الإمارات إلى أنها ستكون أكثر براغماتية في علاقاتها الإقليمية لضمان أمنها.

لا تزال الاختلافات بين الإمارات من جهة وإيران أو تركيا أو قطر من جهة أخرى قوية، غير أن الإمارات ترى أن الافتقار إلى حوار ثنائي صحي مع القوى الإقليمية يجعل الأمور أكثر صعوبة لجهة تخفيف التصعيد.

كما أنها بدأت تدرك بعد عقد من سياسة المحاور والاستقطابات التي خسّرت الجميع، أن التباعد في سياسات اللاعبين في الإقليم ينبغي ألا يمنع التعاون الدبلوماسي بينهم. هنا تتبدى ملامح جغرافيا سياسية جديدة.

هذه المعاني حاضرة في زيارة طحنون العلنية إلى طهران. وإذا ما قدّمت إيران تنازلات في المحادثات النووية فسوف تساعد في تسريع التقارب الإماراتي-الإيراني.

ويمكن لعلاقات أكثر براغماتية أن تعمّق التعاون التجاري بين الإمارات وإيران حيث يتوقع أن تصل التجارة بين الجارتين إلى أعلى مستوى في الفترة المقبلة.

خلال الأشهر الثمانية الأولى من هذا العام الإيراني (21 مارس – 21 نوفمبر)، كانت الإمارات المصدر الأول لواردات إيران بقيمة 10.1 مليار دولار من البضائع، وفقًا للأرقام الرسمية الإيرانية. كما تعد الدولة الخليجية رابع أكبر وجهة للصادرات الإيرانية غير النفطية بقيمة 2.9 مليار دولار.

العلاقات مع إيران وإسرائيل

تعمل دولة الإمارات من خلال تحركاتها على أن تُفكك جزئياً معضلة ما يبدو تناقضاً في علاقاتها مع كل من إيران وإسرائيل وتحول دون أن يظهر التقارب بين الإمارات وإسرائيل عقب اتفاق التطبيع العام الماضي كخطوة عدائية ضد طهران.

وعلى ما يبدو، فإن زيارة طحنون إلى إيران تسهم في تخفيف قَدْرٍ من الهواجس الإيرانية حيال التقارب الإماراتي-الإسرائيلي، وهو ما قد توحي به تصريحات المسؤولين الإيرانيين، ومن ذلك قول علي باقري كني، نائب وزير الخارجية الإيراني للشؤون السياسية، كبير المفاوضين النوويين إن “الجمهورية الإسلامية والإمارات اتفقتا على فتح فصل جديد في العلاقات”.

هذا تكيّف إيراني، على مضض، مع فكرة وجود علاقات بين أبو ظبي وتل أبيب. فالعلاقة ليست علاقة عكسية أو معادلة صفرية؛ بمعنى أن علاقة الإمارات مع إسرائيل ليست بالضرورة أن تكون دفعاً للتصعيد أو الجفاء الإماراتي مع إيران، كما أن الحوار الإماراتي مع طهران لا يعني أن أبو ظبي تفرّط بالمزايا النسبية الاستراتيجية التي تجنيها من التطبيع مع إسرائيل.

الجغرافيا السياسية المتغيرة

هذا مكون مهمٌ من مرحلة جديدة في الجغرافيا السياسية في الإقليم؛ حيث تفرض البراغماتية الجمع بين ما يبدو غير قابل للجمع في علاقات الدول في المنطقة تجاه بعضها بعضاً؛ إذْ تتقدم مسوّغات التواصل على سياسات وممارسات نحو عشر سنوات من انتهاج المحاور الحادة.

وفي ضوء العلاقات الإماراتية-الإسرائيلية قد تجد طهران أنّ من مصلحتها عدم فقدان التواصل مع الإمارات.

وهذا التغير في الجغرافيا السياسية يبقى مرهوناً بأن تقتنع طهران بالتحولات الجارية في حركة اللاعبين الإقليميين، وأن تكفّ عن التعويل على اللاعبين الدوليين الكبار فقط في تحديد مستقبلها ومسار علاقاتها بدول الإقليم، وبالتالي وزنها الإقليمي.

فما جعل الاتفاق النووي في 2015 يخرج عن مساره ليس فقط انسحاب الرئيس الأمريكي السابق، دونالد ترامب، منه في 2018، بل قبل ذلك عدم رضا اللاعبين الإقليميين عن مخرجاته.

من جانبها، انتقدت إيران زيارة الرئيس الفرنسي ماكرون الأخيرة إلى الإمارات وما أعقبها من صفقة الرافال. وفي الحادي والعشرين من ديسمبر 2021، أطلق الحرس الثوري الإيراني صواريخ باليستية وكروز خلال مناورات حربية في الخليج، وسط تصاعد حدة التوتر مع الولايات المتحدة وإسرائيل وتسريبات حول خطط إسرائيلية محتملة لاستهداف مواقع نووية في إيران.

هذا يشير إلى أن محاولة الإمارات فك معضلة علاقاتها مع كل من إيران من جهة وإسرائيل ومعها الولايات المتحدة من جهة أخرى ليست سهلة.

الخبرة السابقة

وبرغم ذلك، ومن خلال زيارة طحنون بن زايد تحاول الإمارات أنْ تفعّل سياسة قديمة جديدة مع إيران، وهي منع الأمور بين البلدين أن تصل إلى درجة الانسداد أو الخروج عن السيطرة؛ خصوصاً أن سياسة حافة الهاوية الإيرانية، في كثير من المواقف والأزمات، تبقى مصدر قلق بالغ للإمارات، مركز الأعمال والخدمات في الإقليم.

وقد كان المسؤول الإماراتي أنور قرقاش واضحاً حين قال متحدثاً في معهد بروكينغز في فبراير /شباط2021 أنه “بخلاف الدبلوماسية، نحن [في الإمارات] لا نرى أي خيار على الإطلاق مع إيران”.

وقال: “حتى مع الضغط الأقصى [في ظل إدارة ترامب]، أرسلنا رسائل [إلى إيران] عبر الأوروبيين حول الحاجة إلى الدبلوماسية ووقف التصعيد”. ورداً على سؤال من المعهد حول تصريحات المسؤولين الإسرائيليين التي تطرح خياراً عسكرياً مع إيران، وصف قرقاش ذلك بأنه “خطير للغاية”.

عندما استدعت الرياض سفيرها من طهران وقطعت علاقاتها الدبلوماسية مع الأخيرة بعد توتر العلاقات بين البلدين في 2016؛ في أعقاب إعدام السعودية لرجل الدين الشيعي نمر النمر وإحراق محتجين في إيران السفارة السعودية في طهران والقنصلية السعودية في مشهد، اتبعت الإمارات في هذه الحادثة نهجاً أكثر حذراً؛ فاستدعت سفيرها من طهران وخفضت وجودها الدبلوماسي إلى مستوى القائم بالأعمال، لكن لم تقطع العلاقات كلياً.

وفي نوفمبر /تشرين الثاني 2020، نددت الإمارات باغتيال العالم النووي الإيراني محسن فخري زاده.

إن إعادة التموضع الإماراتي، كما تتجلى في زيارة طحنون بن زايد لإيران، تبني على خبرة سابقة في التهدئة مع طهران وعدم قطع حبال التواصل معها حتى في الأحداث الإقليمية الصعبة.

غير أن التحديات المرتبطة بصعوبة تفكيك التناقضات المحيطة بالعلاقة الإماراتية مع إيران من جهة ومع إسرائيل من جهة أخرى تظل قائمة.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى