تقارير

السلطوية تجتاح العالم والحريات في تراجع بحسب مؤشر الحريات الدولي

رصد المجهر الأوروبي لقضايا الشرق الأوسط، التقرير السنوي لمؤسسة «فريدم هاوس» لعام 2022 الذي صدر تحت عنوان «التوسع العالمي للحكم السلطوي» متضمنًا ترتيبًا للدول على مؤشر الحريات الدولي.

وحذرت المنظمة في تقريرها من تراجع مستمر للحريات في دول العالم منذ عام 2005، وذلك بسبب السياسيين الفاسدين ورعاية الدول السلطوية العظمى، مثل الصين وروسيا، للدول السلطوية في العالم، ومساعدتهما للدول المتذبذبة بين الديمقراطية والسلطوية لإيجاد طريقها نحو الأخيرة عن طريق مخالفة الإجماع العالمي بكون الديمقراطية هي الطريق الأنسب للازدهار، وتقديم السلطوية بديلًا فعالًا لها من حيث النمو الاقتصادي.

يشير التقرير إلى أن 20% فقط من تعداد السكان العالمي يعيشون في بلاد حرة، في حين يقبع 38% منهم تحت قمع الدول السلطوية، وهي النسبة الأعلى منذ عام 1997، بالإضافة إلى أن 60 دولة قد شهدت تراجعًا في الحريات السنة الماضية.

وفي السنوات القليلة الماضية، اكتسبت السلطوية قدرة كبيرة على الانتشار مكنتها من التوغل في كل منطقة سياسية في العالم.

ففي عام 2021 فقط، زوَّر رئيس نيكاراجوا في أمريكا الوسطى الانتخابات الرئاسية لصالحه ليستمر في الحكم لفترة جديدة، في الوقت الذي أخرس فيه المعارضة بإطلاق قواته الأمنية عليها وسجنها، بالإضافة إلى وقفه عمل منظمات المجتمع المدني.

وفي السودان، عاد الحكم العسكري للبلاد مرة أخرى بعد إطاحة حكم الرئيس عمر البشير عام 2019. وليست أفغانستان أفضل حالًا، إذ عادت تحت حكم طالبان بعد قرابة 20 سنة من الغزو الأمريكي.

ولم تكتف السلطوية بنهش الدول حديثة العهد بالديمقراطية أو تلك التي تترنح على حبالها، بل انطلقت لتخرب الديمقراطيات المستقرة من الداخل عن طريق السياسيين الفاسدين الذين هم على استعداد لهدم المؤسسات الديمقراطية التي أتت بهم إلى السلطة.

مثال ذلك ما حدث في الولايات المتحدة بداية العام الماضي، فيما عرف بتمرد السادس من يناير (كانون الثاني) 2021، حيث اقتحم المتظاهرون المؤيدون لترامب البيت الأبيض بعد خسارته في الانتخابات الرئاسية الأمريكية ضد الرئيس الأمريكي الحالي جو بايدن.

وقد خلق المستبدون مع بداية القرن الحادي والعشرين بيئة دولية تمكنهم من فرض أجنداتهم السياسية والاقتصادية، في ظل تراجع الضغط عليهم من الدول الديمقراطية.

لا تهدف تلك الأجندات إلى خدمة مصالح الشعوب بالأساس، وإنما تهدف لتمكين المستبدين من الإفلات بانتهاكاتهم السياسية والاقتصادية، ما يجعل انتصارها مرادفًا لانتشار الفساد والاعتداءات العسكرية والجريمة المنظمة، دون أدنى اعتبار لقيمة الإنسان.

,يؤكد التقرير دور الحزب الشيوعي الصيني المهم في سياق الترويج للقيم السلطوية، إذ يعطي المجال للمستبدين من الحكومات الحليفة لفعل ما يحلو لهم من الممارسات غير الديمقراطية دون مسئولية أو عقاب، بالإضافة إلى تقديمه للصين ملاذًا للمستثمرين الفاسدين بعيدًا عن الديمقراطيات التي تزعجهم بالمساءلة، واستخدام قوته لقمع أي انتقادات لطريقته في الحكم أو سياساته الداخلية والخارجية، كما فعل مع هونج كونج التي قاومت ادعاءاته بالحق التاريخي للصين فيها.

واستخدم نفوذه الاقتصادي لمنع الدول الديمقراطية من اتخاذ إجراءات ضده فيما يخص انتهاكاته لحقوق شعب الأويغور شمال البلاد. الأدهى من ذلك هو أن بعض حكام الدول غير الحرة قد بدأوا بالفعل في نسخ النموذج الصيني الذي يقوي دعائم حكمهم في مقابل تهاوي قيم الشفافية والمساءلة والمنافسة العادلة.

وكدليل على ضعف قوة الردع لدى الدول الديمقراطية ضد السلطوية، فإن عام 2021 قد شهد أكبر عدد من الانقلابات في 10 سنوات، مثل ما وقع في دول السودان وميانمار وتونس ومالي وغينيا، بالإضافة إلى البلاد التي قام فيها السياسيون بممارسات غير ديمقراطية أدت إلى انتزاعهم للحكم كما حدث في نيكاراجوا وروسيا وإيران.

وقد وصل الداء إلى الدول الديمقراطية أيضًا. ففي الوقت الذي يحاول فيه المستبدون في الأنظمة السلطوية فرض غطاء من الشرعية على الانتخابات التي تقام بها، يشكك السياسيون الذين يخسرون السلطة في الدول الديمقراطية بالانتخابات في بلادهم، كما حدث مع الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، الذي ظهرت تقارير تشير إلى تورطه في حث المتظاهرين على اقتحام البيت الأبيض في تمرد السادس من يناير العام الماضي.

يذكر التقرير أن القادة السلطويين لم يعودوا منعزلين عن المجتمع الدولي كما كان الحال سابقًا، لكنهم اليوم يشكلون تحالفات اقتصادية وسياسية تسمح لهم بالتأثير الفاعل في مجريات الأمور على الساحة الدولية، ككتلة معادية للكتلة الديمقراطية.

وفي الوقت الذي تحارب فيه الدول الديمقراطية ذلك التكتل بالعقوبات الاقتصادية، تمتص تلك التحالفات هذه العقوبات بدعمها بعضها بعضًا.

من أمثلة تلك التحالفات هو تحالف روسيا والصين وتركيا لدعم فنزويلا اقتصاديًّا بالاستثمارات، حين وقعت عليها عقوبات بسبب انتخاباتها الرئاسية المشكوك في نزاهتها. أيضًا، وقفت بكين وموسكو مع حكومات ميانمار والسودان بعد الانقلابات العسكرية في البلدين، ومنعتا الأمم المتحدة من توقيع عقوبات غليظة عليهما.

أتت عشرية الربيع العربي في عام 2021 هادئة تمامًا في منطقة يحكمها السلطويون بالحديد والنار، ففي ظل انتخابات غير عادلة وغير حرة في إيران وسوريا ومصر والعراق، والتي وصلت فيها نسبة نجاح المرشحين الرئاسيين إلى 97% كما هو الحال في مصر مثلًا، فإن مجرد التفكير في معارضة النظام الحاكم ودفع البلاد نحو الديمقراطية قد يكلف المعارضين حياتهم.

بالإضافة إلى ذلك، فإن منظمات المجتمع المدني التي عانت في السنوات الماضية من التقييد والقوانين المجحفة أصبحت الآن راضخة تحت قيود أكثر، ففي فلسطين المحتلة، وضعت إسرائيل ثماني منظمات حقوقية فلسطينية في قائمتها للإرهاب بسبب معارضتها للتهجير القسري للمواطنين الفلسطينيين بالأحياء الفلسطينية.

حسب التقرير، فإن الشرق الأوسط يضم نحو 262.2 ملايين نسمة موزعين في 13 دولة، يرضخ 92% منهم تحت حكم سلطوي، في حين يعيش 4% منهم في بلاد حرة نسبيًّا، و4% آخرين في بلاد حرة.

يعد مؤشر الحريات في العالم السنوي التابع لمنظمة فريدم هاوس واحدًا من أهم المؤشرات في مجال الحريات في العالم، إذ يركز على الحريات السياسية والمدنية متضمنًا تقييمات لكل دولة من الدول المصنفة، ويعتمد المؤشر على تقييم من 0 إلى 100، حيث كلما اقتربت الدول من الصفر تعد دولًا غير حرة.

لعام 2021، صنَّف المؤشر 210 دول من حيث أدائها بالنسبة للحريات الشخصية والمدنية والسياسية، من حرية التعبير إلى حرية التصويت والمساواة أمام القانون. وفيما يلي نستعرض أهم المراكز على ذلك المؤشر.

تربعت الدول الإسكندنافية على عرش الحريات لعام 2021، إذ أتت النرويج أولًا ثم فنلندا والسويد، كلهم برصيد 100 نقطة كاملة. وحصلت الولايات المتحدة على 83 نقطة، ما جعلها تأتي بعد دول مثل اليونان وكوريا الجنوبية والأرجنتين. أما الصين، فقد أتت بعد أفغانستان برصيد تسع نقاط، وجاءت روسيا بعد الجابون برصيد 19 نقطة.

وبين الدول العربية، أتت تونس في المرتبة الأولى برصيد 64 نقطة كدولة حرة جزئيًّا، فيما حلت سوريا في المرتبة الأخيرة برصيد نقطة واحدة. وحصلت مصر على 18 نقطة كدولة غير حرة، فيما حصلت الإمارات على 17 نقطة، وحصلت السعودية على 7 نقاط. أما العراق فقد حصلت على 29 نقطة، ما يضعها فوق قطر التي حصلت على 25 نقطة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى