تقارير

انعطافة تاريخية في موقف إسبانيا من قضية الصحراء

أقدمت إسبانيا مؤخرا على انعطافة تاريخية في موقفها من قضية الصحراء في وقت كان يبدو أن الأزمة الدبلوماسية بينها والمغرب تراوح مكانها.

ووجه رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز، رسالة إلى العاهل المغربي محمد السادس، بعد قطيعة دبلوماسية استمرّت زهاء سنة، وبلغت ذروتها بعد أن استقبلت إسبانيا زعيم جبهة بوليساريو الانفصالية، إبراهيم غالي، في إبريل/ نيسان 2021، بجواز سفر مزوّر للعلاج في أحد مستشفياتها.

وقبل ذلك، أصاب قرار الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، بالاعتراف بمغربية الصحراء في ديسمبر/ كانون الأول (2020) مدريد بخيبة أمل كبرى وخلط أوراقها. ولم تتردّد مدريد في الاعتراض عليه، بحيث رأت فيه مسّاً بالتوازنات القائمة في المنطقة.

وسعت إسبانيا إلى أن تصحّح إدارةُ الرئيس جو بايدن ذلك ”الخطأ” الذي يضرّ بمصالحها الاستراتيجية، غير أن قرار ترامب سرعان ما جرى استيعابه ضمن السياسة الخارجية الأميركية، وبات جزءاً من حساباتها في غرب المتوسط.

وفي السياق ذاته، شكّل إقرارُ ألمانيا، مطلع السنة الجارية، ”بأهمية مبادرة الحكم الذاتي في التوصل إلى حل لنزاع الصحراء”، خيبةَ أمل أخرى بالنسبة لإسبانيا التي أدركت أن إصرارها على موقفها المناكف للمغرب سيزيد عزلتها إقليمياً، لا سيما مع التحوّلات التي بدأت تلقي بظلالها على أوروبا عقب نشوب الحرب الروسية الأوكرانية.

ومما جاء في رسالة سانشيز، التي نشرت نصها الكاملَ صحيفة الباييس الأربعاء الماضي، أنه ”يُدرك أهمية قضية الصحراء بالنسبة للمغرب، ولذلك تعتبر إسبانيا أن مقترح الحكم الذاتي الذي قدمه المغرب في 2007 يمثل الأساس الأكثر جدّيةً وصدقيةً وواقعية لحل النزاع”.

كذلك صرح وزير الخارجية الإسباني، خوسي مانويل ألباريس، أن القرار يشكّل ”مرحلة جديدة في العلاقات بين البلدين، تنبني على الاحترام المتبادل والالتزام بالاتفاقيات وعدم اللجوء للإجراءات الأحادية والشفافية والتواصل الدائم”.

يشكّل الموقف الإسباني الجديد تحوّلاً نوعياً في التعاطي مع قضية الصحراء، فبعد أربعة عقود من الحياد السلبي الذي توارثته الحكومات اليمينية واليسارية المتعاقبة، تعترف إسبانيا، اليوم، ضمنياً بالسيادة المغربية على أقاليمه الجنوبية.

وقد كان دالاً عدم إحالة رسالة سانشيز إلى المسار الأممي لحل النزاع، والذي ظلت إسبانيا ترى فيه الإطار الأمثل للتوصل إلى ”حل عادل ودائم ومقبول”.

إذ لا يُمثل هذا الموقف فقط اعترافاً ضمنياً بشرعية السيادة المغربية على الصحراء، بل يؤشّر أيضاً إلى تحوّلٍ في رؤية الدولة العميقة في إسبانيا إلى المغرب ودوره الأمني المتنامي في الجوار الجنوبي لإسبانيا والاتحاد الأوروبي.

وهو ما يعني أن من المستبعد أن يكون قرار سانشيز قد اتخذ من دون تنسيق مع مراكز القوة، وبالأخص المؤسسة العسكرية المعروفة بنزعتها اليمينية المحافظة.

إنه قرارٌ يتوخّى، على ما يبدو، إعادةَ تموضع النفوذ الإسباني في المنطقة في خضم المتغيرات الإقليمية والدولية.

يطرح هذا التحوّل في موقف مدريد من قضية الصحراء أسئلةً كثيرة بشأن توقيته وتأثيره على منظومة العلاقات المغربية الإسبانية.

والواقع أن زيارة سانشيز مدينة سبتة المحتلة، الأربعاء الماضي، تكشف عن خلفياتٍ تحكّمت في القرار؛ فقد صرّح، في ختام زيارته المدينة، بما لا يخلو من دلالة، بأن القرار يندرج في سياق ”بناء علاقة تقوم على الاحترام المتبادل ووحدة أراضي البلدين (..)، علاقةً أكثر متانة، تتكيف مع القرن الحادي والعشرين”.

تأكيد سانشيز، من سبتة دون غيرها، ”وحدة أراضي البلدين” يعيد إلى الواجهة مخاوف الدولة العميقة في إسبانيا من أن ينجح المغرب، عبْر تحالفاته الجديدة، في إحداث تغيير متدرّج في ميزان القوى، يمكّنه من تحريك ملف سبتة ومليلية والجزر الجعفرية، بما يشكله ذلك من تهديد استراتيجي بالنسبة لها.

وجدير بالذكر أن مرصد سبتة ومليلية، الذي يُشرف عليه معهد الأمن والثقافة (ISC) سبق أن أصدر، في نوفمبر/ تشرين الثاني المنصرم، تقريراً بعنوان ”مزاعم المغرب بشأن سبتة ومليلية من منظور الخانة الرمادية”، عكس تخوّف الإسبان من اتباع المغرب استراتيجية بعيدة المدى تُسعفه في استعادة المدينتين من دون تكاليف كبيرة.

ومن هنا، نتبرز دلالات أن يتخذ رئيس الحكومة المحلية في مدينة سبتة خوان بيباس، موقفاً معارضاً لحزبه (الشعبي)، إذ اعتبر أن قرار سانشيز ”يضمن الاستقرار والسيادة ووحدة أراضي البلدين وازدهارهما”.

وهو ما يعني، من خلال المنظور الإسباني، أن دعم مقترح الحكم الذاتي لن يضمن فقط إعادة فتح المعابر الحدودية لسبتة ومليلية، بل يؤسّس لتفاهماتٍ طويلة الأمد بشأن المدينتين المحتلتين، لا سيما أنهما ظلتا معنيتين، بشكل مباشر، بمشكلة الهجرة غير الشرعية التي أسهمت في زيادة منسوب التوتر بين البلدين، بعد تدفق آلاف المهاجرين غير الشرعيين على سبتة في مايو/ أيار الماضي.

ومع التداعيات الاقتصادية والاجتماعية التي يتوقع أن تخلّفها الحرب الروسية الأوكرانية، تبدو الحكومة الإسبانية حريصةً على أن تبقى سبتة ومليلية وجزر الكناري محميةً من التهديد الذي يحيط بالنظام الأوروبي على غير صعيد.

تدرك إسبانيا جيداً أن عدم إدراج المغرب قضية المدينتين ضمن أولويات سياسته الخارجية لا يعدو كونه تكتيكاً، في ظل الرهانات الجيوسياسية التي تطرحها قضية الصحراء.

ومن الواضح أنه يستعيض عن ذلك بمحاولة عزل المدينتين عن محيطهما الاقتصادي المرتبط أساساً بالداخل المغربي، من خلال سياسة المشاريع الكبرى في شمال البلاد، والاستمرار في إغلاق الحدود البرّية.

لكنها تدرك، في الوقت نفسه، أن اعترافها الضمني بمغربية الصحراء قد يدفع المغرب إلى مراجعة حساباته، على الأقل في شقّها التكتيكي، وذلك بإعادة فتح هذه الحدود، وفتح المجال أمام انتعاش اقتصاد المدينتين الذي تضرّر كثيراً، سيما أن إغلاق الحدود تزامن مع جائحة كورونا.

يتعلق الأمر بتفاهماتٍ جديدة تُعاد من خلالها جدولةُ قضية المدينتين ضمن منظومة العلاقات، التي يبدو أنها ستغدو أكثر ارتهاناً للعامل الاقتصادي، ذلك أن المغرب، وهو يحوز اعترافاً إسبانياً ثميناً بسيادته على صحرائه، لن يجازف بطرح قضية سبتة ومليلية، على الأقل في المنظور القريب.

ولا شك في أنه سيتجه إلى استخلاص العائد السياسي لهذا الاعتراف بالحصول على اعترافاتٍ أخرى، تسعفه في إعادة التموضع الجيوسياسي وفق حساب المكاسب والخسائر وميزان القوى في المنطقة.

يعي البلدان جيداً أهمية المصالح الاقتصادية في تغذية علاقاتهما وتنويع مجالاتها. ولعل ما قاله سانشيث، في رسالته سالفة الذكر، كون ”ازدهار المغرب مرتبطاً بازدهار إسبانيا، والعكس صحيح”، يكتسي دلالاته في ضوء ما قاله العاهل المغربي، محمد السادس، في خطاب 20 أغسطس/ آب 2021 بشأن ضرورة تعزيز العلاقات المغربية الإسبانية ”بالفهم المشترك لمصالح البلدين (..)، وجعلِ الأزمة فرصة لإعادة النظر في الأسس والمحدّدات التي تحكم هذه العلاقات”.

وهو ما يدلّ على أن إسبانيا والمغرب بصدد التوصل إلى توافق مرحلي أملته متغيرات إقليمية ودولية، يتصدّرها الاقتصاد والأمن ومكافحة الهجرة غير النظامية والصراع على موارد الطاقة.

ولعل ذلك ما يفسّر انشغال مدريد بضرورة التوافق مع الرباط على ”خريطة طريق جديدة، واضحة وطموحة، من أجل ضمان استقرار وسيادة ووحدة أراضي البلدين وازدهارهما”.

إضافة إلى ذلك، يكشف تزامنُ قرار رئيس الحكومة الإسبانية مع الارتجاج الجيوسياسي والأمني الذي أحدثه الاجتياح الروسي لأوكرانيا أهمية المصالح الاقتصادية في إعادة إسبانيا النظر في موقفها بشأن الصحراء.

وبيدرو سانشيز، مثل غيره من ساسة أوروبا، يستشعر أن هناك مؤشّرات على نظام عالمي جديد قيْد التشكل، ستتغير فيه خرائط توزيع القوة والنفوذ بدرجة أو بأخرى.

وبما أن الحرب الدائرة في أوكرانيا تهدّد إمدادات الغاز الروسي نحو معظم دول أوروبا، فإن الحاجة أضحت ملحّة إلى قنوات إمداد بديلة من دول أخرى مثل الجزائر، ما يعني الحاجة لتفاهمات تكون فيها الأولوية للاعتبارات الاقتصادية على الاعتبارات السياسية، وتؤمِّن، بالتالي، مرور الغاز من الجزائر إلى أوروبا عبر المغرب، وبالتالي احتمال أن يكون القرار الإسباني مقدّمة لإعادة الجزائر تشغيل خط أنبوب الغاز المغاربي الأوروبي الذي أوقفته في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي.

وبالنظر إلى أن إسبانيا لا تزال تتحمّل تبعات توقيف هذا الخط، الذي كان يزوّدها بنصف احتياجاتها، فإنها تتطلع إلى أن تصبح المحور الرئيس في توريد الغاز الجزائري نحو أوروبا، في حالة ما إذا قُيّض لهذه التفاهمات أن ترى النور.

ختاماً، التحوّل في الموقف الإسباني بشأن الصحراء يقع ضمن متغيرات جيوسياسية أشمل يشهدها الاتحاد الأوروبي. وهي متغيراتٌ بدأت بخروج بريطانيا منه، وصعود تشكيلات اليمين الشعبوي المتطرّف والحركات الانفصالية. وتبلغ ذروتها الآن مع الأزمة الأوكرانية التي تُنذر بأن لا منطقة في العالم ستكون في منأىً عن تداعياتها الوخيمة.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى