مقالات الرأي

مصر: عبد الفتاح السيسي ووهم دولة حقوق الإنسان

في 25 أكتوبر/تشرين أول 2021، أعلن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في سلسلة من المنشورات الطنانة على وسائل التواصل الاجتماعي بأنه، ولأول مرة منذ أربع سنوات، لن يمدد حالة الطوارئ في البلاد، مدّعيا أن مصر أصبحت “واحة للأمن والاستقرار في المنطقة”.

ولطالما كان إنهاء حالة الطوارئ التي تمنح للجهاز التنفيذي والمصالح الأمنية سلطات معتبرة، مع تقليص الرقابة القضائية، مطلبًا ملحًا للمجتمع المدني المصري. لكن سرعان ما تبيّن أن هذا التغيير مجرد تزيين للواجهة.

في بيان صدر بعد يوم من هذا الإعلان، أشارت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، وهي إحدى أهم جماعات الدفاع عن حقوق الإنسان في البلاد، إلى أن السلطات المصرية تبنّت خلال السنوات الأخيرة “ترسانة تشريعية قمعية” مثل القوانين المتشددة التي تؤطّر المظاهرات ومكافحة الإرهاب، وأدمجت هكذا القوانين المتعلقة بالنظام الاستثنائي في القانون الجنائي العادي.

استمرت هذه الممارسة بعد 25 أكتوبر/تشرين الأول، حيث سارعت السلطتان التنفيذية والتشريعية إلى إجراء عدد من التعديلات القانونية التي تهدف دائما إلى تمديد حالة الطوارئ بوسائل أكثر استدامة.

ويتعلق الأمر أساسا بتوسيع سلطات الرئيس، وتشديد أحكام السجن والغرامات بموجب قانون مكافحة الإرهاب.

وتم تعزيز توسيع اختصاص المدعين العامين والمحاكم العسكرية على المدنيين، وكذا القيود المفروضة على نشر المعلومات حول القوات المسلحة.

ويشير عمرو مجدي، وهو باحث مختص في شمال إفريقيا والشرق الأوسط لدى منظمة هيومن رايتس ووتش، إلى أنه “تم إضفاء طابع مؤسساتي على القمع في عهد السيسي منذ عام 2013.

وقد أدخلت قيود في العديد من القوانين، وبالتالي لم تعد الحكومة بحاجة إلى قانون طوارئ”.

قبل هذا الإعلان بفترة وجيزة، أُجريت خمس محاكمات على الأقل أمام محاكم استثنائية ضد حوالي 50 نفراً من المدافعين عن حقوق الإنسان والناشطين والسياسيين، الذين كانوا قد حُبسوا في السجن المؤقت لفترات طويلة قبل المحاكمة، ضمن حلقة زمنية من الاحتجاز الوقائي.

وكان من بين هؤلاء علاء عبد الفتاح، وهو على الأرجح أشهر سجين سياسي في مصر، والمحامي محمد الباقر، وعبد المنعم أبو الفتوح، المرشح السابق لانتخابات 2012 الرئاسية وزعيم حزب “مصر القوية”، والنائب السابق زياد العليمي وعزت غنيم، رئيس التنسيقية المصرية للحقوق والحريات.

علماً أن المحاكم الاستثنائية لا تسمح بالاستئناف، كما أنها تواصل اليوم الحكم في القضايا التي أحيلت إليها أثناء سريان حالة الطوارئ حتى بعد رفعها.

الإعلان الصاخب الذي أحاط بإنهاء حالة الطوارئ ليس استثناءً، بل يدخل ضمن سلسلة من تدابير “تجميلية” أعلن عنها النظام في الأشهر الأخيرة، وهي في الواقع موجهة إلى جزء من المجتمع الدولي، أي الجزء الأقل ارتياحًا للسجل الكئيب للبلد في مجال حقوق الإنسان.

من بين هذه الترتيبات التي حظيت بضجة كبيرة، نجد الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان بتاريخ 11 سبتمبر/ أيلول 2021.

لأول مرة، تحدّد هذه الوثيقة التي تتشكل من عشرات الصفحات خطة حكومية خماسية لتحسين حالة حقوق الإنسان في البلاد، تحت رعاية اللجنة العليا الدائمة لحقوق الإنسان، الموضوعة -وهو أمر غريب- تحت رئاسة وزارة الخارجية.

يلاحظ مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان بأن الوثيقة، التي أصبحت حجر الزاوية للدولة في هذا المجال، تُميّز بطريقة إشكالية بين الحقوق المدنية والسياسية من جهة، والحقوق الثقافية والاجتماعية والاقتصادية من جهة أخرى، ما يسمح للقاهرة بإعطاء عن قصد الأولوية للأخيرة وبالتالي الادعاء بإحراز تقدم في مجال حقوق الإنسان.

يتمثل أحد الجوانب الأكثر استعجالا في الاستراتيجية في مراجعة اللجوء الواسع النطاق لعقوبة الإعدام – حيث كانت مصر في السنوات الأخيرة واحدة من أهم الدول في العالم التي تمارس عقوبة الإعدام -، وأيضا إعادة النظر في الجرائم التي لا يزال ينص فيها القانون على هذه العقوبة.

وقد أحصت منظمة العفو الدولية تنفيذ أكثر من 100 إعدام في البلاد في عام 2020، كما سجّلت هيومن رايتس ووتش 51 إعداما في النصف الأول من 2021.

ولم يمنع ذلك وزارة الداخلية، في بداية مارس/آذار، من تنفيذ الإعدام في حق سبعة سجناء أدينوا بجرائم بموجب قانون مكافحة الإرهاب.

كما سعت مصر إلى تنفيذ إصلاح نظام السجون، الذي يتعرض بانتظام للانتقادات.

ففي أكتوبر/تشرين الأول 2021، دشّنت السلطات بأبهة كبيرة سجنًا جديدًا في وادي النطرون، شمال القاهرة، يتماشى مع ما يعتبره السيسي – دون أن يوضّح بالضبط ما يعنيه بذلك – “معايير أمريكية”.

يُنتظر أن يستوعب هذا السجن آلاف المعتقلين، ما سيسمح بإغلاق حوالي 12 سجناً في البلاد، أي ربع العدد الإجمالي.

وقد تمت دعوة البعثات الدبلوماسية والمراسلين الصحفيين لهذه المناسبة، وتمكنوا من زيارة المرافق، بما في ذلك أحواض السباحة والملاعب الرياضية التي تم تسليط الضوء عليها بذكاء.

وعلى نفس المنوال، لا تتردد القاهرة في تلطيف الكلام لاستحضار واقع السجون، مثلا من خلال اعتبار المؤسسة “مركزًا للإصلاح وإعادة التأهيل”، أو من خلال تسمية إدارة السجون “وحدة الحماية الاجتماعية”.

لم تمنع عملية ذرّ الرماد في العيون هذه مجموعات مثل لجنة العدل من الاستمرار في توثيق العشرات من حالات الاختفاء القسري، خاصة في مراكز الاحتجاز، وحالات التعذيب وسوء المعاملة.

بالإضافة إلى ذلك، سُجلت قرابة 12 وفاة في مراكز الاحتجاز في جميع أنحاء البلاد خلال شهري أكتوبر/تشرين الأول ونوفمبر/تشرين الثاني 2021 فقط، معظمها ناتج عن الإهمال.

ونجد من بين الضحايا النائب السابق حمدي حسن، الذي توفي بعد حرمانه من الحصول على الرعاية الصحية لمدة ثماني سنوات، وفقًا لنفس اللجنة، ناهيك عن وفاة الخبير الاقتصادي أيمن هدهود بداية شهر أبريل/نيسان في ظروف غامضة بمستشفى للأمراض النفسية في القاهرة، بعد اختفائه قسراً مطلع فبراير/شباط.

كما تظاهرت السلطات المصرية في الأشهر الأخيرة بتغيير سياستها تجاه السجناء السياسيين. وقد قبلت القاهرة الإفراج عن شخصيات مثل الناشط المصري-الفلسطيني رامي شعث وعالمة الأحياء القطرية وابنة الداعية يوسف القرضاوي، عُلا القرضاوي، والباحث في حقوق النساء باتريك جورج زكي.

ناهيك عن الناشطة في مجال حقوق الإنسان، سناء سيف، شقيقة علاء عبد الفتاح، والناشط في الدفاع عن حقوق الأقباط، رامي كامل.

ولكن على الرغم من عمليات الإفراج هذه المرحّب بها، تصرّ جماعات حقوق الإنسان بأنها عمليات استثنائية، وأن آلاف السجناء السياسيين -ومعظمهم غير مشهورين- ما زالوا وراء القضبان. وتواصل المنظمات توثيق مئات الاعتقالات التعسفية.

في غضون ذلك، حُكم على سجناء سياسيين بارزين مثل علاء عبد الفتاح والباقر والمدوّن محمد «أكسجين» إبراهيم بالسجن لفترات طويلة، دون خصم المدة التي قضوها فعليا في الحبس الاحتياطي، وفقًا لعائلاتهم. فضلا عن ذلك، لا يزال الذين أفرج عنهم متابَعين رسمياً أمام القضاء، ولم تسقط التهم الموجهة إليهم ما لم يكونوا قد قضوا مدة عقوبتهم.

على مستوى أكثر رمزية، وافق مجلس النواب المصري في أكتوبر/تشرين الأول 2021 على إعادة تشكيل المجلس القومي لحقوق الإنسان، وهو هيئة مؤلفة من 27 عضوًا برئاسة السفيرة السابقة، مشيرة خطاب، وشخصيات بارزة لها علاقات وثيقة مع الدبلوماسيين الأجانب في القاهرة.

كما أعلن الرئيس السيسي منتصف شهر يناير/كانون الثاني، خلال الحفل الختامي لمنتدى شباب العالم الذي عُقد بمدينة شرم الشيخ بجنوب سيناء، أن 2022 سيكون “سنة المجتمع المدني”.

أيام قليلة قبل هذا الإعلان، أعلنت الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، وهي منظمة معروفة تنشط منذ عام 2004، عن تعليق عملياتها وأنشطتها، مشيرة إلى الاحتقار المتزايد لدولة القانون وسيادتها في مصر وزيادة المضايقات البوليسية.

في الوقت نفسه، قررت الحكومة في اللحظة الأخيرة تمديد الموعد النهائي الممنوح للمنظمات غير الحكومية لمدة عام واحد – أي حتى يناير/كانون الثاني 2023- لتسوية وضعيتها القانونية في البلاد.

عند منح هذا التمديد، لم تكن أكثر من 40٪ من منظمات المجتمع المدني قد تمكّنت بعد من تسوية وضعها القانوني في إطار القانون الجديد الذي يحكمها، وهو قانون انتُقد كثيراً لكونه يفرض قيوداً صارمة على تمويل منظمات المجتمع المدني وأنشطتها.

 

مارك اسبانيول.. نقلا عن موقع أوريان21

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى