مقالات الرأي

بين الجزائر وإسبانيا… الأزمة لا تصغر

الأزمة الطارئة بين الجزائر وإسبانيا لم تكتمل فصولها بعد، وليست في وارد أن تعود المياه إلى مجاريها سريعاً، وقد انكسر زجاج الثقة.

لم تستهلك مدريد كل مواقفها إزاء الجزائر، وآخرها اتهامها بالانحياز إلى روسيا. وفي المقابل لم تنفد أدوات الضغط الجزائرية، ومفتاح الغاز لا يزال في الجيب، والجزر والحدود البحرية ملف آتٍ لا محالة.

لكل بلد حساباته. من حيث التوقيت السياسي للأزمة، اختارت الجزائر توقيتاً بالغ الحساسية في علاقة بأزمة الطاقة في العالم.

ومن الواضح أن الجزائر تستقوي بالغاز والطاقة في هذا الظرف، ولن تتأخر في توظيفه بالقدر الذي يحقق مصالحها، ضد مدريد أو غيرها.

يضاف إلى ذلك أن وجود خط أزمة مع إسبانيا، يقابله خط علاقة ايجابية نجحت الجزائر في تركيزها مع إيطاليا في الفترة الأخيرة، وهي تتوجه إلى ذلك أيضاً مع ألمانيا، من خلال مشاريع الطاقة البديلة قريباً.

لذلك تبدو إسبانيا الطرف الأضعف في الأزمة، والأكثر عرضة للخسارة، وهذا الأمر يُفسر محاولتها تحويل طابع الأزمة من ثنائي إلى أزمة بين الجزائر والاتحاد الأوروبي.

هناك حرص جزائري واضح على تحييد الاتحاد الأوروبي عن الأزمة الراهنة، على الرغم من أن الأزمة مع الكتلة الأوروبية واقعة لا محالة، عندما تقرر الجزائر في وقت قريب مراجعة اتفاق الشراكة مع الاتحاد، الذي وقع في العام 1995، في ظروف خاصة كانت تمر بها الجزائر بسبب الأزمة الأمنية.

في الوقت الحالي تلعب الجزائر على متناقضات الحالة الأوروبية، وعلى صعوبات المرحلة، التي تتسم بأزمة طاقة حادة ضمن تداعيات الحرب في أوكرانيا.

ولذلك لا تبدو مدريد قادرة على حشد شركائها الأوروبيين لصالحها، بل إن أطرافاً أوروبية تحاول استغلال الأزمة مع إسبانيا لصالح مركزة علاقات اقتصادية مع الجزائر.

قبل إيطاليا، هناك ألمانيا التي أوفدت نائبة وزير الخارجية كاتيا كيول، وفرنسا التي يريد رئيسها إيمانويل ماكرون القيام بزيارة إلى الجزائر قريباً لتصحيح معوقات التقارب، كما قال السفير الفرنسي لدى الجزائر فرانسوا غويات.

الحكم على سلامة الموقف الجزائري في منظور الأزمة مع إسبانيا، في علاقة بأسبابه الرئيسية المتعلقة بالقضية الصحراوية بشكل خاص، تمكن قراءته انطلاقاً من ردود فعل النخب السياسية في إسبانيا نفسها، إزاء تصرف الحكومة وكيفية إدارتها للأزمة مع الجزائر.

تعتبر نخب إسبانية أن الحكومة أخفقت هذه المرة في الوقوف على الحبل وسطاً بين المغرب والجزائر، واختارت الرضوخ للضغوط المغربية، المتعلقة بالهجرة خصوصاً، من دون إدراك أو انتباه لتحول عميق حدث في محددات وقواعد إدارة الجزائر لعلاقاتها الخارجية، التي انتقلت من الدبلوماسية الهادئة إلى دبلوماسية المواجهة، خصوصاً في القضايا ذات الصلة بالأمن القومي.

والجزائر بدأت تعتبر أن القضية الصحراوية – إضافة إلى المسألة المبدئية المرتبطة بدعم قضية تصفية الاستعمار- مسألة أمن قومي. وهي تتصرف على أساس ذلك، خصوصاً أن أزمة العلاقات الجزائرية المغربية لم تبدأ بفعل النزاع الصحراوي، بل سبقت ذلك بـ11 عاماَ، خلال أزمة الحدود في العام 1963.

عثمان لحياني

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى