مقالات الرأي

قمّة الأطلسي في مدريد .. ازدواجيّة المفاهيم والمعايير

شهدت مدريد اجتماع قمّة لحلف شمال الأطلسي يومي 28 و29 الشهر الماضي (يونيو/ حزيران)، كان جدول أعمالها مرتكزا على تداعيات الحرب بين روسيا وأوكرانيا، ومراجعة العقيدة الاستراتيجية للحلف الذي يجر ذيول الخلاف بين أعضائه.

وذلك بسبب التناقض في تعريف المفاهيم الأساسية لتلك الاستراتيجية، على غرار حقوق الإنسان والإرهاب، الدّيمقراطية والاعتدال، القوّة الشّرعية والقوّة المفرطة، وهي مصطلحات تضبطها القيم الغربية القابلة للصُّعود والنّزول، تماماً مثلما يجري لقيم للشّركات في البورصات الغربية.

أيّ لديها قابلية للتغيّر، وفق لون المصالح التي تأتي عليها تلك الاستراتيجية، كلّما أراد لها حلفاء الأطلسي تغييرها، لتتكيف مع الأوضاع الجديدة والمتجدّدة، على الدوام.

أقرّ المجتمعون نقاطاً عدّة في جدول أعمالهم، كان في مقدمتها نقطة جدّ هامّة، توسيع الحلف ليضم دولتين جديدتين، السويد وفنلندا، اللتين كانتا، إلى وقت قريب، قبل الحرب الحالية، بين روسيا وأوكرانيا، محايدتين، واقتنعتا، بإيعاز من واشنطن، زعيمة الحلف وبسبب مخاوف أمنية من روسيا، بفكرة الانضمام إلى الأطلسي.

لكن وفق ما ينصّ عليه القانون الأساسي للحلف، يمرّ طلب الانضمام على مسارٍ ينتهي بعملية تصويت تستلزم الإجماع، وهو ما وقفت تركيا في وجهه، بسبب مطالب تراها حيوية لأمنها، وإذا لم يجر تلبيتها، فإنها ستبقي على “الفيتو” ضد هذا الانضمام.

طالبت تركيا من البلدين المرشّحين للانضمام إلى الحلف الأطلسي، لرفع معارضتها، وقف مساندة البلدين لمن تعتبرهم تركيا إرهابيين من الحزب العمالي الكردستاني واللاجئين إلى كلّ من فنلندا والسويد.

في حين أنّ البلدين، انطلاقاً من تعريف حقوق الإنسان والإدراك السياسي أنّ تركيا ليس بلداً ديمقراطياً، وتعتبران اللاجئين ضحايا للاستبداد التركي، ما يولّد، حتماً، تناقضاً في تعريف المفاهيم الأمنية/ الدفاعية/ السياسية داخل أكبر منظومة دفاعية دولية تقود، كما زعموا، حرباً ضد “الإرهاب”، وتريد نشر “الديمقراطية”.

المهم، بالنسبة لنا، ليس موقف تركيا التفاوضي لإعادة الاعتبار لها داخل الحلف، والسماح لها بالمشاركة في البرامج العسكرية للحلف، والتي مُنعت منها بعد اقتنائها المنظومة الصّاروخية الروسية (S400).

بل المهم هنا ازدواجية المعايير المتمثلة في عدم الاتفاق على معان موحدّة لتلك المفاهيم التي على أساسها تُدار أزمات وصراعات على المستوى الدولي إذ يلوك الكلّ هذه المفاهيم.

لكنّه يعطي لها معاني تتّفق، ليس مع معناها الحقيقي، بل وفق موازين القوى الواقعية، وهو ما حدث في واقعة انضمام الدّولتين إلى الحلف، حيث عمدت تركيا إلى إثارة المسألة.

وفي إدراك صانع القرار لديها إشكالية الكيل بمكيالين بشأن ملف طلب الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي الذي رُفض بفيتو يوناني، أساسا، يعادله، الآن، فيتو تركي في الحلف.

والإشارة إلى مسار الانضمام إلى المشروع الأوروبي الذي يُفتح، ليس على أساس اقتصادي، بل على أسس مزاجيةٍ بمرجعية الانتماء الحضاري، على غرار ما جرى بالنسبة لأوكرانيا ومولدافيا اللّتين سمحتا لهما بالبدء في مسار الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، بعد أخذٍ وردّ وتصريح سابق للرئيس الفرنسي، ماكرون، إن عملية الانضمام قد تستدعي عقوداً.

الأهمّية الثانية، بالنسبة لنا، أيضاً، أنّ تلك المفاهيم الفضفاضة لا ترتكز على معانٍ واقعية، بمرجعية قانونية تطبق على الكلّ، وتكون موحدة للمواقف ذات التشابه الكبير.

بل ترتكز على المبادر بالموقف، المستفيد من الواقعة وموازين القوى الحقيقية على السّاحة الدولية، وهو عين ما نراه، عندما يتعلق الأمر بواقعة يكون الضحية فيها غربياً أو يقع في الغرب، ولو كانت الضّحية واحدة أو عددها صغيراً.

في حين أنّ طبيعة الواقعة تتغير إذا كان المبادر بالواقعة غربياً، أو من ينحاز له الغرب والضّحية من منطقتنا، ولو كان العدد بالمئات أو الآلاف كما يحدُث، منذ عقود، في فلسطين والعراق واليمن وسورية.

على مستوى ثالث، أصبح وارداً أن يكون بالواقعة السياسية/ الأمنية تعريفات عدّة، ويغيّر الإعلام معانيها باستقبال لفيفٍ من المحللين والإعلاميين، بل المثقفين المتبعين بنظريات التفوق العرقي والمستخدمين عبارات كلها ازدواجية معايير، كيل بمكيالين، وتعريف وفق الموقف وبمعانٍ تشير إلى كنه الصراع الحضاري، ليس إلّا.

سواء كان المفاوض التركي على علم بما أثاره من أبعاد لموقفه من انضمام السويد وفنلندا إلى الحلف الأطلسي أم لا، فانّ مجرّد إثارته تلك الإشكالات، يكون قد أعاد إلى الواجهة مسائل كلها معانٍ تمثّل للإدراك وللصورة النمطية للقاء العربي الإسلامي في مواجهة مواقف وإشكالات، ترسّخت لدى الجانب الغربي، وأضحت تقود تفكيره، إدراكه، وتشكيل عقله الجمعي بالنسبة للصّراع مع المنطقة، الفضاء العربي الإسلامي والقضايا التي ننافح لأجلها.

كانت القصة قد باءت مع ازدواجية المعايير في التعامل مع قضية اللاجئين من مناطق الصراعات، حيث اعتبر السوريون، الفلسطينيون والعراقيون والأفغان، إرهابيين محتملين أو لاجئين اقتصاديين، وجرى اعتبار الأوكرانيين، بسبب انتماءاتهم الحضارية، الدينية ولون بشرتهم، لاجئين إنسانيين، لمواقف حرب حقيقية، منحوا، على أثرها، المواطنة، العمل، السكن والإقامة القانونية، بل والمساعدات السخية، وكأن الموقف لا يعني إنسانا، هنا وهناك، من مناطق الصراع، بل يتعلق الأمر بمرجعية حضارية، دين ولون بشرة، ليس أكثر وليس أقل، وفق تعبير إعلاميين، مثقفين وسياسيين من على منابر المنظمات الدولية، حتى الحقوقية منها.

المسألة، بالنتيجة، أبعد من طبيعة سياسية لموقفٍ أو تفاوض من أجل تحقيق مكسبٍ أو تموقع على الساحة الدولية، وهو مشروع في العلاقات الدولية التي لا تعرف إلا المصالح، ولا دخل للأخلاق، ولا للدّبلوماسية في إقرارها، ولكنها كانت تحتاج إلى توضيح وتعليق، ليكون الكل على علم ودراية بقيمة المعايير والأخلاقيات المزدوجة، خصوصاً إذا كانت بمرجعية تدلل على غياب أدنى مؤشّر للإنسانية، ولكن بدون اعتراف من المبادر بها، أي الغرب، وفي غياب من التنديد بها والبناء، في نسج العلاقات مع الغرب، على أساسها، بالنسبة لفضائنا الحضاري.

لا يعني هذا، البتة، أنّ ثمّة منظومة أحلام وأخلاقيات في العلاقات الدولية، يجب الاتكال عليها لتأخذ الحق من المعتدي، بل المنطلق هو بناء وعي بالصورة النمطية، تشكيل العقل الغربي والإدراك الذي على أساسه يتعامل به، وهو ما جرى الكشف عنه في الموقف التركي من انضمام البلدين المذكورين إلى الحلف لتبرز، عياناً، كلّ تلك المنظومة النفاقية التي نسمّيها، تجاوزاً، في الإعلام، ازدواجية المعايير، وهي، في الحقيقة، عنصرية ورؤية حضارية فوقية، ليس إلّا، حقيقة لا مجازاً.

 

للكاتب محمد سي بشير

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى