تقارير

فرنسا تصم أذنيها عن جرائم الإمارات بحثا عن مصالحهما المشتركة

يجمع مراقبون على أن فرنسا تتخذ من مصالحها أولوية في علاقاتها المتنامية مع دولة الإمارات العربية المتحدة وهي في سبيل ذلك تصم أذنيها عن جرائم وانتهاكات أبوظبي.

وفي 18 من تموز/يوليو الجاري وقعت حكومتا فرنسا والإمارات اتفاقًا استراتيجيًا للتعاون في مجال الطاقة، وتحديدًا في قطاعات الهيدروجين والطاقة المتجددة والنووية.

وشمل الاتفاق ضمانًا إماراتيًا بمد فرنسا بالنفط، وقع عليه عملاق الطاقة الفرنسي “توتال إنرجيز” وشركة النفط الحكومية الإماراتية أدنوك.

جاء هذا الاتفاق خلال زيارة رئيس الإمارات محمد بن زايد آل نهيان، لفرنسا، في الفترة ما بين 17 و19 تموز/يوليو الجاري، وهي أول زيارة خارجية له منذ توليه السلطة بعد رحيل أخيه غير الشقيق في أيار/مايو 2022.

وجاء هذا التطور بعد حالة الركود التي دخلتها أوروبا، بعدما أوقفت شركة الغاز الحكومية الروسية الأنابيب الرئيسة لنقل الغاز الروسي إلى أوروبا، بدعوى الإصلاحات والصيانة، ومخاوف أوروبية من أن لا تعيد موسكو تشغيل خط الأنابيب قريبًا، ردًا على حزمة العقوبات السادسة المفروضة على روسيا بسبب الحرب على أوكرانيا.

ولم تنشر وسائل الإعلام الخليجية السبب الحقيقي وراء تهافت الإمارات لمساعدة فرنسا في محنتها، واختيار باريس كي تكون وجهة الرئيس الأولى، خاصة أن السياسة لا تعرف العطاء بلا مقابل.

وفي السياق نفسه نشرت منظمة هيومن رايتس وتش الدولية تعليقًا على ترحيب الرئيس الفرنسي برئيس دولة الإمارات المتحدة، تمنت فيه “ألا يشمل الترحيب قبولًا لسجل الإمارات المؤسف في مجال حقوق الإنسان”.

فبينما تبذل الإمارات المتحدة جهدًا كبيرًا لتصوير نفسها على أنها دولة تحترم الحقوق، لا يزال القبض على النشطاء والمحامين، والمعلمين، والطلاب، وكل من يعارض نظام الحكم ومحاكمته واحتجازه قائم، فيما تواجه النساء والأقليات التمييز، وتتعرض عاملات المنازل لانتهاكات جسيمة بموجب نظام الكفالة.

جدير بالذكر أن الإمارات قد أضافت ترسانة قوانين جديدة تزيد قوة القمع الحكومي من خلال الإبقاء على الأحكام السابقة، وإضافة أحكام جديدة، وحظر مظاهر حرية التعبير، وتكوين الجمعيات والتجمع.

تقرير منظمة هيومن رايتس وتش انتقد كذلك دور الإمارات في الصراعات الخارجية، مشيرًا إلى أن قوات أبو ظبي ومواليها مسؤولين عن ارتكاب انتهاكات جسيمة.

إذ تسببت العمليات العسكرية التي يشنها التحالف بقيادة السعودية والإمارات باليمن، في إلحاق أضرار جسيمة بالمدنيين، وقتلت القوات الإماراتية مدنيين ليبيين في عمليات جوية غير مشروعة، بينما زودت القوات المحلية المعتدية بالأسلحة والذخيرة؛ وبرغم ذلك كله وافقت فرنسا على بيع 80 طائرة مقاتلة من طراز رافال إلى الإمارات، في كانون الأول/ ديسمبر 2021.

وبسبب كل ما سبق ذكره؛ طالبت المنظمة الدولية فرنسا بانتقاد ملف حقوق الإنسان في الإمارات خلال تلك الزيارة، والمطالبة بالإفراج عن المعارضيين السلميين، وإلغاء نظام الكفالة، وإصلاح قانون العقوبات الجديد، وقانون الجرائم الإلكترونية، ليتواءم مع المعايير الدولية، والضغط من أجل إجراء تحقيقات مستقلة في جرائم الحرب في ليبيا واليمن، وتعويض الضحايا المدنيين لانتهاكات الإمارات.

لكن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لم يستمع لهذه المطالبات وصم أذنيه عنها، ويمكن القول بأنه وبعد أن كسحت فرنسا تلك الانتهاكات تحت بساط اتفاقات الوقود، وتعزيز أمن فرنسا الداخلي بكثير من الديزل والطاقة النووية، لن يؤدي الاتفاق الفرنسي الإماراتي إلا إلى تعزيز سياسات الإمارات التعسفية في الداخل والخارج، مع استمرار استراتيجية غض الطرف الفرنسي، عن انتهاك حقوق تدّعي باريس الدفاع عنها.

هذا النداء لحماية المدنيين داخل وخارج الإمارات لم يكن الأول، ولم يعد ربط تجاهله بحاجة فرنسا للطاقة من أجل حماية مصالح شعبها ممكنًا.

إذ تجدر الإشارة هنا إلى أنه في اليوم التالي لتقديم شكوى في باريس ضد القادة السعوديين والإماراتيين بتهمة ارتكاب “جرائم حرب” و”تمويل الإرهاب”، ولعبت الإمارات دورًا بارزًا في العمليات العسكرية الوحشية في اليمن وليبيا في عام 2021، عقد إيمانويل ماكرون مع الخليج صفقة لبيع طائرات مقاتلة فرنسية للإماراتيين، وتحديدا في الفاتح من كانون الأول/ديسمبر 2021، بقيمة تبلغ 18 مليار يورو، والذي مثّل أكبر عقد تصدير أسلحة فرنسي على الإطلاق، من شأنه أن يعزز صناعة السلاح الفرنسية.

بدورها أشارت صحيفة “اللوموند” الفرنسية إلى ما شاب الحوار بين ماكرون وحكام الخليج من خلل، ففي حين وصف ماكرون الحوار بالفعال والمباشر والصريح حول قضايا حقوق الإنسان، لم تجر الإشارة إلى حرب اليمن، بل أكدت فرنسا “التزامها التاريخي بأمن المنطقة”.

ليعود ماكرون إلى بلاده بمكسب اقتصادي وسياسي كان يسعى إليه ونجح في نيله، بعدما قدم فرنسا بوصفها قوة أوروبية كبرى في الخليج والشرق الأوسط منذ خروج بريطانيا من التكتل، وتخلي أمريكا عن الإمارات، وحقق رغبته في أن يكون في دائرة الضوء، باعتباره قيادة سياسية دولية.

لم يعد ميل ماكرون إلى الدبلوماسية المكوكية سرًا، ففضحت استراتيجيته على مر السنين انخراطه بدرجة أو بأخرى في العديد من النزاعات، مما أكسبه المديح والنقد.

فقد ميز ماكرون نفسه منذ انتخابه في عام 2017، عن نظرائه الأوروبيين، باهتمامه بالشأن الخارجي أكثر من الداخل الفرنسي؛ فتولى مهام شبه مستحيلة مثل التوسط في الحرب الأهلية الليبية وإجراء محادثات مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في محاولة لوقف تصعيد الأزمة الأوكرانية؛ وهما المهمتان اللتان فشل فيهما.

فضح تهافت ماكرون على الوساطة في نزاعات خارج العلاقات الفرنسية رغبته في إظهار التباين الكبير بينه وبين جو بايدن الذي قرر الاهتمام بالشأن الداخلي الأمريكي، عكس الزعماء الأمريكيين السابقين، كذلك محاولة استغلاله غياب أنجيلا ميركل التي ترأست الحكومة الألمانية 16 عامًا، وانفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي؛ لينفرط أمامه عقد القادة التقليديين، وتصبح الكرة في ملعبه.

تتفق وكالة “بلومبيرج”، مع الرأي الفاضح لرغبة ماكرون في لعب دور القائد العالمي، دون النظر لملف حقوق الإنسان في الخليج، لكن بعيدًا عن حصر ما يسمى بـ”الدبلوماسية المكوكية” في البلدان التي ترتبط تاريخيًا أو جغرافيًا بفرنسا، انشغل ماكرون في تعزيز تحالف فرنسا مع دول بعيدة للغاية، مثل الإمارات التي لا طالما كانت علاقتها بفرنسا رسمية لأكثر من عقد من الزمان.

وبالفعل التقطت الإمارات الكرة، وسرّعت تحولها من مركز أعمال إقليمي يعتمد على النفط إلى لاعب سياسي رئيس، ووصفها تقرير “بلومبيرج” بالدولة الأكثر تنوعًا اقتصاديًا في الشرق الأوسط، فيما تشترك فرنسا والإمارات في مصالح مشتركة في الشرق الأوسط وخارجه.

فكلاهما دعم القائد العسكري خليفة حفتر في ليبيا، وانحازت البلدان إلى صف اليونان في نزاعها مع تركيا في شرق البحر المتوسط ​​حول التنقيب عن الغاز والسيادة عليه، وبينما تحركت الإمارات لإصلاح العلاقات مع تركيا، فمن المرجح أن تظل هذه نقطة شائكة، سيتغافل عنها الطرفان للاستفادة من التحالف الجديد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى