تقارير

تفاصيل استحواذ صناديق الخليج السيادية على قطاعات حساسة في أوروبا

تعمل إدارات صناديق الخليج السيادية على زيادة استثماراتها في قطاعات حساسة في أوروبا في ظل ندرة السيولة النقدية، مما يكسب قادة تلك الدول نفوذًا سياسيًّا أكبر.

ونشرت وكالة “بلومبرج” الأمريكية تقريرًا سلَّطوا فيه الضوء على حجم الاستثمارات التي تضخها الصناديق السيادية الخليجية في عددٍ من الصفقات العالمية حول العالم لاسيما في أوروبا.

وذكر التقرير أن أكبر الصناديق السيادية في الخليج، المسيطرة على أصول تُقدر بأكثر من ثلاثة تريليونات دولار، تضخ حاليًا، بفضل تدفق السيولة النقدية من طفرة السلع الأساسية، مليارات الدولارات في صفقات عالمية، وتضطلع بدور “ممولي الملاذ الأخير” للشركات في ظل تقلُّب الأسواق.

وخلال أكثر من عقد من الزمان منذ الأزمة المالية لعام 2008، كانت وفرة الأموال الرخيصة (التي يمكن اقتراضها بمعدل فائدة منخفض جدًّا) والقدرة على الوصول إلى مستثمرين تعني أن الشركات غير مضطرة في حقيقة الأمر إلى اللجوء إلى الخليج.

ولكن مع بدء نضوب مصادر التمويل تلك، بدأت الشركات العالمية تستجدي الدول الغنية بالنفط في منطقة الخليج مرةً أخرى، مما يمنح تلك الدول فرصة انتقاء ما يحلو لها من الأصول، بالإضافة إلى تسريع وتيرة التحول في الاستراتيجية الهادفة إلى تنويع مصادر الدخل بعيدًا عن الاعتماد على الذهب الأسود.

ويشير التقرير إلى أن المصرفيين من نيويورك إلى لندن وسنغافورة، يبحثون عن أموال خليجية لعقد صفقات كبرى في جميع أنحاء العالم، وأفاد شخص مطَّلع أن بنكًا استثماريًّا مقره الولايات المتحدة يُروِّج لأحد أكبر مديري المحَافِظ الاستثمارية في منطقة الخليج للاستثمار في صفقة تُقدر بقيمة 20 مليار دولار.

ويقول مسؤول تنفيذي كبير في إحدى أكبر شركات الاستثمار حول العالم: إن “هناك أموالًا هائلة قادمة من الشرق الأوسط تُضَخ في السوق على نحوٍ أكبر مما كان يحدث قبل ذلك”.

وبحسب بيانات جمعها التقرير، شاركت أكبر صناديق الثروة السيادية في الخليج في عمليات استحواذ تقدَّر قيمتها بنحو 28.6 مليارات دولار على الأقل خارج منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا هذا العام.

وكشفت تلك البيانات أن هذه النسبة تُعدُّ الأكبر في أي فترة مماثلة مسجَّلة، إذ زادت بنسبة 45% مقارنةً بالفترة نفسها في عام 2021.

ونوه التقرير إلى أنه خلال الأشهر القليلة الماضية فحسب، ظهرت صناديق خليجية في محادثاتٍ للاستحواذ على كل شيء، بدايةً من مجموعة “فورترس انفستمنت جروب – Fortress Investment Group” والتي تتخذ من نيويورك مقرًا لها.

، مرورًا بشراء حصص في شركة “كلارنا – Klarna”، عملاق صناعة “اشتر الآن وادفع لاحقًا”، ووصولًا إلى شركة “أستون مارتن لاجوندا جلوبال هولدينجز – Aston Martin Lagonda Global Holdings” المتخصصة في صناعة السيارات البريطانية.

وعلى الرغم من أن الصناديق السيادية الخليجية بحثت على مدار التاريخ، عن فرصٍ جذابةٍ في أزمنة التقلبات والتقييمات المنخفضة، فإن الاختلاف الأساسي هذه المرة يكمن في التحول نحو قطاعات مثل التكنولوجيا والرعاية الصحية، وتدعم تلك الصناديق شركات الملكية الخاصة، وتستغل علاقاتها مع الكيانات الكبرى لإبرام مزيد من الصفقات المباشرة.

وفي هذا الصدد، قال أيهم كامل، رئيس قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مجموعة “أوراسيا” لاستشارات المخاطر السياسية: إن “صناديق الثروة السيادية في الخليج أصبحت أكثر تطورًا في إستراتيجيتها الاستثمارية، وتحتفظ بعلاقات عالمية واسعة، كما أن الظروف الراهنة للسوق العالمية تدعم صعود الصناديق السيادية الخليجية.

“إذ من الممكن حشد فائضها النفطي سريعًا، وتساعد الصفقات، التي شاركت فيها صناديق الخليج، في تنويع الاقتصاد بعيدًا عن الاعتماد على النفط على المدى الطويل، كما تُوفر مصادر دخل دولية بديلة”.

ولفت التقرير إلى أن “رويال جروب – Royal Group” في أبوظبي، وهي مجموعة شركات يديرها طحنون بن زايد، مستشار الأمن القومي لدولة الإمارات العربية المتحدة، برزت بوصفها واحدةً من هذه الشركات التي يقصدها صانعو الصفقات، أصحاب الطائرات الخاصة.

وخصَّصت رويال جروب أموالًا لصندوق جديد أنشأه راجيف ميسرا، الرئيس التنفيذي لمجموعة “سوفت بنك جروب – SoftBank Group”، في الوقت الذي ضخت فيه استثمارات إلى جانب عددٍ من المليارديرات، مثل جوتام أداني، عملاق الصناعة الهندي، والمصرفي الكولومبي خايمي جيلينسكي.

وضخَّت شركة “مبادلة”، التي يرأسها محمد بن زايد، حاكم أبوظبي (والرئيس الإماراتي)، أموالًا في شركة “ويفوكس – Wefox” الألمانية المتخصصة في تكنولوجيا التأمين.

ووافقت على شراء شركة “إنفايروتينر إيه بي – Envirotainer AB” السويدية المتخصصة في الشحن الطبي.

كما عقدت محادثات للاستحواذ على شركة “فورست إنفستمنت – Fortress Investment” الاستثمارية، وأصبح صندوق الثروة السيادي الإماراتي مستثمرًا جديدًا في شركة كلارنا بعد انخفاض قيمتها إلى 6.7 مليارات دولار من 45.6 مليارات دولار العام الماضي.

وأفاد التقرير أن هناك صفقاتٍ أخرى تتضمن استثمار شركة الإمارات للاتصالات السلكية واللاسلكية بقيمة 4.4 مليارات دولار في شركة فودافون، بينما تعاون جهاز أبوظبي للاستثمار مع صندوق “جلوبال إنفراستركشر بارتنرز – Global Infrastructure Partners” لشراء شركة تأجير قطارات ألمانية مقابل 7.4 مليارات دولار.

كما حصلت هيئات الاستثمار العملاقة المدعومة من الدولة في كلٍّ من السعودية، وقطر، والكويت، على نصيبها من هذه الاستثمارات، إذ زاد صندوق الاستثمار العام في الرياض من حصته في شركة “أستون مارتن” لصناعة السيارات البريطانية.

بينما يستكشف جهاز قطر للاستثمار إمكانية إبرام صفقات في سوق تكنولوجيا “البلوك تشين”، وتتطلع هيئة الاستثمار الكويتية إلى عقد صفقات في مجال العقارات.

ونقل التقرير عن خافيير كابابي، مدير أبحاث الثروات السيادية في جامعة “آي إي” الإسبانية، قوله: إن “صناديق الثروة السيادية لا تستهدف الشركات الغربية فحسب، لكنها تُلقي شِباكها على نطاق أوسع، مع توجُّهٍ نحو ضخ مزيد من الاستثمارات في الصين والهند وسنغافورة وغيرها من المناطق.

وأكد التقرير أن طفرة الاستثمار تلك دفعت بعض شركات الاستثمار العالمية إلى نقل طاقم عملٍ إضافي إلى المنطقة، وبرزت دبي، العاصمة التجارية لدولة الإمارات العربية المتحدة، مؤخرًا بوصفها عنصر جذب لصناديق التحوط.

بينما كان مديرو المحَافِظ الاستثمارية الأكبر، يسعون لفتح مقرات جديدة لهم في السعودية، ويأتي سيل الصفقات تلك في وقتٍ تطيح فيه جائحة كوفيد-19 وحرب روسيا في أوكرانيا، بالإضافة إلى التضخم، بعضَ مراكز التمويل التقليدية في العالم، مما يُتيح لقادة الشرق الأوسط كسب نفوذ سياسي أكبر.

والتقى الرئيس الأمريكي جو بايدن بولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، والحاكم الفعلي للبلاد، هذا الشهر، لكنه غادر المملكة الخليجية دون الحصول على التزامٍ قويٍّ من بن سلمان بزيادة إنتاج النفط، بدرجةٍ يُمكن أن تُخفِّف من الآلام التي يشعر بها الناس بسبب زيادة سعر الوقود.

وذكر التقرير أن نقص الوقود، الذي تسببت فيه الحرب الأوكرانية، وأدَّى إلى ارتفاع أسعار الطاقة كان عاملًا أساسيًّا في عودة ظهور منطقة الخليج إلى الواجهة، وتجني السعودية، أكبر مُصدِّر للنفط في العالم، حوالي مليار دولار يوميًّا من صادرات النفط الخام، واستفادت قطر، أحد أكبر منتجي الغاز الطبيعي المسال في العالم، من محاولات أوروبا المستميتة للتخلي عن الاعتماد على الطاقة الروسية.

وأشار التقرير إلى أنه من المقرر وصول قيمة صادرات الدوحة من الطاقة إلى 100 مليار دولار هذا العام لأول مرة منذ 2014.

وفي الوقت نفسه، تُعد الإمارات، ثالث أكبر منتج في منظمة “أوبك”، وعاصمتها أبوظبي، واحدة من المواقع القليلة حول العالم التي لديها أكثر من تريليون دولار في صندوق الثروة السيادي.

ووفقًا لمصادر مطلعة، تعمل أبوظبي على تجميع أصولٍ أكثر تحت مظلة مجموعة رويال جروب الملكية التي يديرها طحنون، وهي خطوة ستُعزز دوره ليكون أهم رجل أعمال في العائلة المالكة في عهد محمد بن زايد، الذي تولى منصب حاكم البلاد في مايو (أيار) بعد وفاة شقيقهم.

ويرى كابابي، من جامعة “آي إي” الإسبانية، أن الجولة الأحدث من الاستثمارات تُمثِّل تطورًا ملحوظًا للصناديق الخليجية، التي كانت في دائرة الضوء عندما أقدمت صناديق قطر وأبوظبي والكويت في عام 2008 على استثمار المليارات في بنوك مُقرِضة، مثل “باركليز” و”كريدي سويس جروب” و”سيتي جروب”.

وأوضح قائلًا إن: “صناديق الثروة السيادية خاضت تلك الرحلة، بدءًا من إقامة شراكات محدودة في المرحلة الأولى، وأصبحت في المرحلة الثانية مستثمرين مشاركين، حتى وصلت في المرحلة الثالثة إلى مستثمرين، وتمكنوا من تشكيل مجموعات عمل ووضع استراتيجيات محددة، وتطوير قدرات الاستثمار المباشر”، وفق ما تختم به الوكالة تقريرها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى