مقالات الرأي

تونس من الانتقال المسدود إلى وحدانية التسلط

في إحدى حواراته قبل توليه السلطة قال رئيس تونس قيس سعيد : هل نظم استفتاء وحيد في بلادنا العربية، ولم يقل فيه الشعب «نعم»، الاستفتاءات أداة من أدوات الديكتاتورية المتنكرة ، تتنكر تحت الاستفتاء تحت عباءة الاستفتاء.

وتابع سعيد “قلت في كثير من المناسبات الى الطلبة: أتمنى أن أعيش يومًا واحدًا أرى فيه استفتاء سلبيًّا بأحد البلدان العربية، سلبيًّا، الشعب يقول لا لماذا نرى الشعب يقول لا في هولاندا، في فرنسا، بريطانيا وفي سويسرا إلا في بلادنا العربية بالرقم الذي كان معهودًا 99%، صار اليوم أقل بقليل ولكن في كل الحالات اكثر من 80%.

نوع من الانتخاب غير معلن لرئيس الدولة ليس استفتاء حول المشروع، إنما هو استفتاء حول صاحب المشروع، فالاستفتاء طبقًا لتمثُّل الرئيس، إنما هو شكل من أشكال المبايعة للرئيس وحكمه ومشروعه، وبالتالي تصبح اللا ليس مجرد موقف شعبي من فكرةٍ ما طرحت في لحظة معينة، قد لا تكون مناسبة لتقبلها، بل تقرير مصير وحياة أو موت بالنسبة لمن طرحها وهو أمر يتعارض كليًّا مع الوظيفة الحقيقية للاستفتاء في النظام الديمقراطي بما هو أداة من أدوات الديمقراطية المباشرة.

والنعم واللا فيه لا تمس بأي شكلٍ من الأشكال من النظام السياسي والقائمين عليه؛ فالاستفتاء يمارس بشكلٍ دائمٍ في دولة مثل سويسرا أو بعض الولايات الأمريكية، ولم يعده يومًا الحكام مصيريًّا ولم يربطوا مصيرهم به مطلقًا؛ ففي النهاية هو تعبير عن وجهة النظر السائدة في تلك اللحظة التاريخية، والتي قد تتغير في اللحظات التاريخية اللاحقة ولعل موقف الشعب البريطاني من الاتحاد الأوروبي دليل على ذلك.

إن العقلية السياسية التي تحكم أغلب النخب العربية (موالاة ومعارضة) تجعل الحاكم يعد كل موقف شعبي قد يتعارض مع رؤيته تحديًا له وخروجًا عن الطاعة ويواجهه بكمٍّ هائل من طرق القهر والتنكيل اللفظي والمادي.

لذلك لا تزال نظرة الرئيس للحكم نظرة قروسطية تعد الحاكم مبعوثًا للعناية الإلهية لا يُسأل عما يفعل أما الشعب فيسألون؛ بهذا المنطق وضع صلاحيات الرئيس المطلقة في الدستور الجديد وبالمنطق نفسه ينظر الرئيس التونسي للاستفتاء القادم، ولذلك تتجند كل مؤسسات الدولة لفرض النعم على الجميع والدفع بكل الوسائل الترغيبية والترهيبية لدفع المصوتين لاختيار نعم.

وهو أمر يتناقض بشكلٍ واضحٍ مع النظام الديمقراطي الذي يشترط الحياد التام لمؤسسات الدولة، ولعل أخطر ما في الأمر هو الهيئة العليا المستقلة للانتخابات ذاتها المعينة من الرئيس وفروعها المشكوك في ولاء بعض أعضائها، وميلها الملاحظ نحو داعمي الرئيس.

إذ لا نجد إلا سبعة معارضين وسط عشرات المساندين مما سمحت لهم الهيئة بالتعبير عبر وسائل الإعلام في حملة الاستفتاء مما يرجح فرضية دعمها للنعم في حين كان المطلوب أن تكون محايدة. إن كل الظروف تؤكد أن الإجابة بنعم هي الغالبة؛ لأنه تم سد كافة الأبواب أمام اللا لتعبِّر عن موقفها من الدستور الجديد؛ لذلك لا ننتظر أن يتحقق حلم الرئيس الذي سيبقى مجرد حلم لرجل كان يومًا ما ديمقراطيًّا.

إن تونس تستعد للخروج من دكتاتورية التفويض أو جمهورية الخطر الداهم إلى الدكتاتورية السيادية كما يسميها كارل شميت؛ حيث يهب الحاكم دستورًا للشعب وبذلك تتحقق التصفية النهائية للثورة التونسية. وهكذا ستنتقل تونس من الانتقال المسدود إلى وحدانية التسلُّط كما يسميها ابن رشد.

يبدو أن تاريخ 25 يوليو (تموز) 2022 سيكون تاريخًا حاسمًا في مستقبل تونس، وبوصف توقع حصول النعم على الأغلبية ممن سيشاركون في التصويت (المقاطعة تخدم دومًا من بيده السلطة) بدون وضع سقف أدني لنسبة المشاركة التي تخول تبني المشروع (حتى ولو شارك 1% يعد ذلك نجاحًا)، فإن تونس تحولات كبرى في طبيعة النظام السياسي الذي سيتحول من نظام شبه برلماني بسلطة تنفيذية ذات رأسين إلى نظام رئاسي يمتلك فيه الرئيس كل الصلاحيات التنفيذية والتشريعية والقضائية بوصفها لم تعد سلطة، بل وظائف داخل الدولة؛ ولأن الرئيس هو أعلى موظف فيها فإن كل الوظائف تصبح خاضعةً له بصفةٍ آلية. سنتحول من دولة تعدد السلط إلى دولة تعدد الوظائف تحت سلطة واحدة وهي التنفيذية.

وبالتالي ندخل مرحلة الدولة البيروتكنوقراطية المطلقة؛ إذ يعد الكل موظفين وتقنيين مختصين ولا علاقة للسياسيين بها باعتبار تهميش ضرورة الأحزاب والهيئات والجمعيات في إدارة الشأن العام. فالرئيس لم يعد بحاجةٍ للسياسيين، بل فقط للإداريين والتقنيين ولذلك يجد الرئيس التونسي دعمًا كبيرًا من الإدارة وأهل المهن.

لقد مرت تونس بعد الثورة بمسار سياسي واجتماعي واقتصادي صعب دفع عموم الناس لهجر أهل السياسة وعدهم جميعًا السبب في معاناة الشعب التونسي الذي لم تحقق له تلك الفئة حين سلمها السلطة ما يطمح إليه من رفاه اجتماعي واقتصادي.

بل زادت معاناة الناس بسبب الحرب الأهلية الأيديولوجية، التي كانت تخاض في مجلس النواب والإعلام والنقابات حتى حطمت تونس الرقم القياسي في عدد الإضرابات في تاريخ البشرية منذ بدأ الإضراب.

هذا الوضع أوصل البلاد لمرحلةٍ أصبح فيها الطريق مسدودا أمام كل إمكانية لإدارة البلاد والخروج من الحرب الأهلية الأيديولوجية، وهكذا وصلنا لمرحلة الانتقال المسدود، وهو وضع زاد في النقمة الشعبية خاصةً مع إصرار السياسيين على التمسك بمواقعهم رغم أن انسحابهم كان بإمكانه خدمة الانتقال والدولة أفضل من البقاء.

وكل هذه العوامل ساهمت في الوصول لمرحلةٍ رأت فيها مؤسسة الدولة الصلبة أن الحل في التخلص من الجميع وإعادة البناء على قاعدة جديدة؛ وهو ما التقى مع رغبة الرئيس في تحقيق مشروعه فكان انطلاق جمهورية الخطر الداهم يوم 25 يوليو (تموز) 2021.

يوم 25 يوليو 2022 ستنتهي جمهورية الخطر الداهم لتبدأ جمهورية جديدة قائمة على وحدانية التسلط؛ حيث يصبح مصير الأمة والدولة مرهون بإرادة رجل واحد، وبالتالي هو عودة لسلطة الزعيم القائد الذي تنتظر منه الأمة القوة والنصر على كل مصاعبها الاجتماعية والاقتصادية، والثقافية، والتربوية، وغيرها، وتنتظر منه أيضًا المحافظة على حريتها وأن يحترم كل الحقوق والحريات التي وضعها في نص دستوره، وألا يضع لها حدودًا تجعل منها مجرد حبر على ورق. إن مهمة الرئيس ليست سهلة، وهيمنة في ظل وضع اجتماعي واقتصادي صعب جدًّا ويزداد صعوبة مع الأيام وهو بحاجة لينجح في مسعاه أن يستعين بأهل الخبرة والفهم الحقيقيين بعيدًا عن مستشاريه الحاليين الذين لا يفقهون شيئًا في إدارة الدولة ولا في فنون التواصل (ما قاله الرئيس عن الأقمار الصناعية يثير السخرية) والحكم.

ستكون الجمهورية الجديدة مسؤولية الرئيس وحده دون سواه فمعها يبدأ تاريخه الجديد، وهو من سيجعل ذلك التاريخ تذكره الأجيال القادمة كمؤسس لدولة قوية، وعادلة لشعبٍ حرٍّ أو كأحد أسوء الطغاة الذين مروا على تونس.

الصّحبي الماجري .. كاتب تونس

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى