تقارير

تحقيق يكشف خفايا اللوبي الإماراتي داخل أروقة الحكم الفرنسي

كشف تحقيق استقصائي نشره موقع “أرويان 21” خفايا اللوبي الإماراتي داخل أروقة الحكم الفرنسي ودرجة نفوذ أبوظبي في باريس عبر ما أسماه “اللوبي العنيد”.

وتناول التحقيق بالتفاصيل عن مجموعة معطيات مهمة تقود إلى نتيجة واحدة وهي آليات وطرق التحرك الإماراتي بين المؤثرين وقادة الرأي وأصحاب القرار في فرنسا للخروج بقرارات وتصورات تدعم وجهة النظر الإماراتية في العديد من الملفات المهمة.

وقال التحقيق إن الإمارات استفادت من وسائل الإعلام في فرنسا عبر تجنيدها بقوة المال لخدمة مصالحها وتوجهها وتلميع صورتها، كما استمالت العديد من السياسيين في مجلس الشيوخ الفرنسي.

وأشار التحقيق إلى أن الإمارات حرضت من خلال اللوبي التابع لها ضد قطر وجماعة الإخوان المسلمين وكذلك ضد أئمة مسلمين في فرنسا؛ بحجة أن لهم ارتباطا بالجماعة.

ويلاحظ من خلال التحقيق التركيز الإماراتي على شيطنة بعض الدول الجوار ولاسيما قطر وعلاقتها بجماعة الإخوان المسلمين وربطهم بالإرهاب، في حرب إماراتية شعواء ضد الإسلام السياسي ككل.

كما أفاد التحقيق بأن الإمارات حاولت اقناع أصحاب القرار والسياسيين الفرنسيين بضرورة دعم توجهات أبو ظبي في العديد من الملفات الجيوسياسية في المنطقة وكذلك للاستفادة من الدعم الفرنسي عند كل استحقاق يهم الإمارات بشكل خاص كالحرب في اليمن وصفقات السلاح والتحركات في مصر والسعودية وغيرها.

وتاليا نص التحقيق كاملا:

تم اتخاذ قرار بطرد الإمام المغربي حسن إكويسن من فرنسا، وهو التحكيم الذي أكّده مجلس الدولة في 30 أغسطس/ آب 2022، كون هذا الخطيب قد أدلى بتصريحات معادية للسامية وللنساء. وقد يكون أيضًا ارتباطه بجماعة الإخوان المسلمين سبباً غير رسميّ كان له دور في أخذ هذا القرار.

من المحتمل جدًّا أن هذا القرار لم يغضب أبو ظبي؛ فمنذ فترة طويلة، جعلت الإمارات العربية المتحدة من محاربة جماعة الإخوان المسلمين أحد محرّكات سياستها. ولم تبخل -في فرنسا كما في أماكن أخرى- بتعبئة الوسائل اللازمة للترويج لعملها والظهور بصورة إيجابية، وفي نفس الوقت تبليغ رسائلها الجيوسياسية.

لتحقيق ذلك، لم يجنّد البلد شركات الاتصال -مثل الفرع الفرنسي لشركة “بروجكت اسوسيتس” (Project Associates) البريطانية- فحسب، بل أيضا وسائل إعلام مثل يورونيوز، ومراكز أبحاث خاصة، مثل معهد بوصولا (Bussola Institute).

في حين تعبّر بعض الشخصيات الإعلامية أو السياسية -مثل النائب في مجلس الشيوخ ناتالي غولي- علنا عن آراء قريبة جدًّا من خطهم السياسي. هذا ما اكتشفناه خلال هذا التحقيق الذي بدأ في 18 يوليو/ تموز 2022 بوزارة الخارجية الفرنسية، حيث كان من المنتظر انعقاد حفل توقيع اتفاقيات في إطار زيارة رئيس الإمارات محمد بن زايد، لفرنسا.

صحيح أن بن زايد كان فعليّا رجل الإمارات القوي خلال السنوات الأخيرة، لكن هذه الزيارة كانت رحلته الرسمية الأولى بعد تنصيبه رئيساً، وقد احتفت به فرنسا بأبهة كبيرة.

إذ تنقل بن زايد على مدى ثلاثة أيام بين قصر الإيليزيه (مقر رئاسة الجمهورية) وقصر ماتينيون (مقرّ الوزارة الأولى) وقصر الانفاليد الأثري، ناهيك عن قصر فرساي وقوس النصر، بل زار حتى رموز الديمقراطية الفرنسية المتمثلة في الجمعية الوطنية (البرلمان) ومجلس الشيوخ.

كانت تغطية حفل التوقيع على الاتفاقيات بوزارة الخارجية تبدو مهمّة بشكل خاص. لكن على الرغم من الاعتماد الرسمي الذي كان بحوزتنا، فقد تم إبعاد “أوريان 21” من طرف المكلفين بالاتصال في الوزارة.

هل يعود السبب إلى مقالات نقدية سابقة حول الإمارات؟ هل كانت الوزارة تخشى أسئلة قد تحرج ضيفها الإماراتي؟ مع أنه يحق للصحفيين والمواطنين التساؤل حول طرق تمتين العلاقة مع نظام أوتوقراطي يمارس رقابة مشددة على مواطنيه، ويقمع النشطاء النادرين المؤيدين للديمقراطية الذين تجرأوا على التعبير، علاوة على كونه متهما بممارسة التعذيب في سجون سرية في اليمن.

بالطبع، ليست هذه هي الصورة التي تريد الإمارات العربية المتحدة الترويج لها. على العكس، يفضل اتحاد الإمارات -وأغناها دبي، المركز المالي والتجاري والسياحي، وأبو ظبي، الإمارة البترولية والعسكرية- أن يظهر بوجه إيجابي كبلد آمن، تكنولوجي، متسامح ومحترم للمساواة بين الرجل والمرأة.

قصد تلميع صورتها، راهنت الإمارات على كرة القدم من خلال استحواذها في 2008 على نادي مانشستر سيتي. لكنها بحثت أيضا عن مجالات تأثير أخرى غير الرياضة، خاصة من خلال اللجوء إلى الإعلام والإشهار.

ففي 2017، استحوذت شركة أبو ظبي للاستثمار الإعلامي (Admic) على 2% من القناة الإعلامية الأوروبية يورونيوز -ومقرها بمدينة ليون في فرنسا-، التي كانت آنذاك تعاني صعوبات مالية، وأبرمت معها إلى غاية 2020 عقد رعاية بقيمة 8,5 مليون يورو سنويا.

ولاحظت جريدة “ليبراسيون” الفرنسية في مقال لها بتاريخ 29 نوفمبر/تشرين الثاني 2020 أنه في غضون ذلك تضاعفت “المحتويات التمجيدية” عن الإمارات العربية المتحدة، ودبي على وجه الخصوص. كما نظمت الإمارات بين 2021 و2022 المعرض العالمي “إكسبو 2020” كرمز للانفتاح الدولي.

مع ذلك، لا يقتصر اتصال هذا البلد على إبراز نقاط قوته، بل أيضا على انتقاد منافسيه، ولاسيما قطر، حيث يتنافس البلدان على الريادة الإقليمية في الخليج. وقصد ضرب سمعة بعضهما بعضا، تتفنن كل واحدة منهما في اختراق الخصم قبل تسريب الوثائق المسروقة عن طريق وسيط، مما يعرف بتقنية “الاختراق والتسريب (hack and leak).

فمثلا، لا يخفي موقع الإعلام الاستقصائي ”بلاست“ في فرنسا بأن الوثائق التي نجمت عن كشفه عن الـ”قطر كونكشن“(Qatar connexion) -وهو ملفّ تطرّق فيه الموقع إلى دور قطر في سقوط نظام القذافي واندلاع الحرب في سوريا- جاءت في البداية عن طريق عملية قرصنة إماراتية.

قبلها ببضع سنوات، في 2017، لم تنزعج الدوحة من القرصنة التي قامت بها مجموعة تسمى ”غلوبال ليكس“(Globalleaks) لصندوق بريد السفير الإماراتي في الولايات المتحدة، وتسريب الوثائق نحو موقع ”ذي إنترسيبت” (The Intercept).

وكون هذه الوثائق جاءت عن طريق التسريب فهو لا يدحض أهميتها للنقاش العام، ولا يطعن في عمل التدقيق الذي قام به الصحفيون، لكن شرح سياق هذه التسريبات ومحاولات استغلالها من قبل أطراف أخرى قد تكون هي مصدرها لا يقلّ أهميّة.

زبائن جيدون لوكالات العلاقات العامة

تلجأ كل دول الخليج إلى عدد لا يحصى من الشركات المتخصصة في الاتصالات والعلاقات العامة والإعلانات إشهارية والتسريبات التي يتم تنظيمها بدهاء والقذف في الجار.

وذلك بهدف تلميع صورتها المتضررة من ظروف المعيشة والعمل البائسة التي توفرها لسكانها المهاجرين، وصلاتها بالجماعات الإرهابية، وافتقارها للديمقراطية والشفافية أو مراقبتها المشددة على مواطنيها.

فمثلا، تعاقدت المملكة العربية السعودية مع مجموعتي “بوبليسيس” (Publicis) و“هافاس” (Havas) الفرنسيتين، بينما أقامت قطر أعمالا مع شركة اتصالات بورتلاند البريطانية.

وماذا عن الإمارات؟ افتتحت الشركة البريطانية “بروجيكت اسوسييتس” (Project Associates) للاستشارة فرعها في فرنسا في يونيو/حزيران 2019. ويجمع هذا الفرع في باريس خمسة أشخاص، كُلّفوا -ربما في يناير/كانون الثاني 2022- بسياسة تواصل سفارة الإمارات.

يشرح مصدر مطلع طريقة عملها: “إنهم يقومون بتنظيم أحداث ورحلات ونشر محتويات على شبكات السفارة، ويضمنون علاقاتها مع الصحافة”.

شرطي إماراتي على رأس منظمة الإنتربول

لكن الأمر لا يقتصر على ذلك. فقد أحدثت صحيفة “ديلي ميل” (Daily Mail) البريطانية ضجة في 2021 عندما كشفت -بناء على وثائق مسربة حصلت عليها دون تقديم مزيد من التفاصيل- بأن “بروجيكت اسوسييتس” قدّمت عرضاً للترويج لترشيح مدير وزارة الداخلية الإماراتية السابق، أحمد الريسي، لرئاسة الإنتربول.

وبما أن المقر الرئيسي لمنظمة الشرطة الدولية يوجد في مدينة ليون، فهل كانت المهمة التي اقترحتها “بروجيكت اسوسييتس” تغطّي فرنسا؟ تم الاتصال برئيس الشركة جان لو غري دي لا سال، لكنه لم يرد.

أدلى الجنرال المتقاعد دومينيك ترينكاند (Dominique Trinquand)، الذي تتقارب وجهات نظره مع الرؤية الإماراتية، وهو أحد المستشارين الظرفيين التابعين لشركة الاستشارة، بتصريحات مؤيدة لهذا الترشح في الصحافة.

وقد أكد بأن “ترشيح الريسي مفيد في إطار محاربة الإسلام الراديكالي، الذي تلتقي حوله فرنسا والإمارات”، مضيفا بأنها مواقف “شخصية بالكامل”.

ويوضّح: “أنا لا أعمل مع ”بروجيكت أسوسييتس“ فيما يخص الإمارات العربية المتحدة”. على أي حال تم فعلا في نوفمبر/تشرين الثاني 2021 انتخاب المرشح الإماراتي لرئاسة الإنتربول.

في الولايات المتحدة، نجد “بروجيكت اسوسيتس” وراء حملة مقاطعة قطر التي انطلقت في 2017. وتشير قاعدة بيانات تسجيل الوكلاء الأجانب في الولايات المتحدة إلى أن المجلس الوطني للإعلام الإماراتي قد وقّع عقدًا مع الشركة بمبلغ 250 ألف دولار.

بالتفصيل، تُظهر المعلومات التي نشرتها وحدة تسجيل الوكلاء الأجانب في الولايات المتحدة أن “بروجيكت أسوسييتس” أبرمت عقد مناولة مع SCL Social4 المتخصصة في المعلومات المضللة، لتنفيذ حملة على وسائل التواصل الاجتماعي تحت عنوان “مقاطعة قطر”.

تقدّم وثائق قاعدة البيانات أيضًا -كمثال على المحتوى المنشور على الإنترنت- عمودًا ومقالاً ذا شكل صحفي.

في فرنسا، لا يُطلب من البلدان الأجنبية ملء سجل لممثلي المصالح. يعلّق كيفين غيرنييه، من المنظمة غير الحكومية Transparency France: “هذا أمر مؤسف. يجب أن يتضمن هذا السجل أسماء المكاتب مع قائمة الدول التي يمثلونها. لكي تكون على الأقل الشخصيات التي يتم التقرب منها على دراية بالمصالح الممثَّلة”.

 “الاستقرار السلطوي” في مواجهة الخطر الإسلاموي

تستهدف الإمارات بشكل خاص جماعة الإخوان المسلمين، التي أرعبتها نجاحاتهم الانتخابية ما بعد الربيع العربي.

ووفق المنظمة غير الحكومية مرصد أوروبا للشركات (Corporate Europe Observatory)، “بدأت أبو ظبي منذ ذلك الوقت بإبراز مفهوم ”الاستقرار السلطوي “والذي يفترض تقسيما ثنائيا مبسَّطًا للغاية: إما الاستقرار مع حكام مستبدين، وإما الإرهاب الإسلاموي والفوضى، وهما النتيجتان الحتميتان للتعددية الديمقراطية والمجتمع المدني والتسامح مع الأصوات الناقدة”.

تصاعد التوتر بمستوى أكبر في 2017. وقصد إعاقة الدوحة التي تدعم جماعة الإخوان، وقناة الجزيرة التي كان لها دور مهيمن خلال الربيع العربي، قرّرت المملكة العربية السعودية والإمارات والبحرين ومصر فرض حصار على قطر، وهو العام الذي أطلقت فيه أيضًا الإمارات استراتيجية “القوة الناعمة” الخاصة بها.

ولإغواء محاوريها الدوليين، وخاصة الفرنسيين، تودّ أبو ظبي إقناعهم بالمخاطر -ليس السياسية فقط- التي يمثلها الإخوان المسلمون.

من هم الإخوان المسلمون في الواقع؟ تطمح هذه الحركة للمشاركة السياسية في البلدان حيث هي موجودة ـ ومن ثمة جاءت تسمية الإسلام السياسي ـ وهي تأخذ مظهر الجمعية والحزب السياسي أو حتى الحركة السياسية-العسكرية، كما هو الحال بالنسبة لحركة حماس.

وباستثناء الهجمات التي تتم في فلسطين، فإن الحركة تدين الإرهاب.

وإذا كانت الفتاوي الإخوانية لا تدعو إلى العنف، فإن محتواها رجعي إلى حد ما، خاصة في قضايا المساواة بين المرأة والرجل.

كما تستقبل الجماعة في صفوفها شخصيات ذات خطابات مثيرة للجدل، مثل المصري يوسف القرضاوي، الذي توفي في 26 سبتمبر/ أيلول 2022، والذي كان ممنوعا من دخول عدة دول غربية، منها فرنسا والولايات المتحدة.

تمثل منظمة “مسلمو فرنسا” (Musulmans de France) هذه الجماعة في فرنسا، وقد جاءت خلفًا لاتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا التي يعد خطابها مصقولا أكثر، حيث إنها تدافع عن “قراءة أصيلة ومنفتحة للإسلام، قراءة تسمى ”الوسطية“، داعية إلى مراعاة السياق الاجتماعي والثقافي في الممارسة والخطاب الديني”.

وللتذكير، فقد جعل الرئيس السابق نيكولا ساركوزي، عندما كان وزيرا للداخلية في عهد جاك شيراك، من اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا محاوراً متميزاً للدولة الفرنسية.

 “حرب معرفية” ضد الإٍسلام السياسي

عيدًا عن هذه التفاصيل، عملت أبو ظبي بشكل ممنهج على خلق ارتباط فكري أكثر تبسيطا: قطر = الإخوان المسلمون = الإرهاب.

يشرح بيير غاستينو، رئيس تحرير موقع “إنتيليجنس أونلاين” (Intelligence Online): “بمعزل عن الحقائق، لا يتعلق الأمر فقط بالترويج لسردية، بل بهجوم واسع هدفه خلق بيئة إعلامية تجعل الجمهور في وضع ملائم لتقبّل نوع معيَّن من الخطاب. فالتكرار الممنهج بأن قطر تموّل جماعة الإخوان المسلمين والقيام بربط تلقائي بين الإخوان المسلمين والإرهاب، هو جزء من هذه الحرب المعرفية”.

فضلا عن الوسائل التي سبق ذكرها -الدعاية الإشهارية، الوسطاء في وسائل الإعلام، والتسريبات المنظمة بمهارة والدعم من شركات الاتصالات والعلاقات العامة-، تدور هذه “الحرب المعرفية” ضد الإسلام السياسي في مراكز الأبحاث، وهي مؤسسات بحثية خاصة نادرا ما يكون تمويلها معلنًا، ويمكن أن تطلق رسائل غامضة.

“إنه مزيج متطور من البحث الأكاديمي وعمليات الاتصالات الإستراتيجية”، وفق مرصد أوروبا للشركات، مشيرا مثلا إلى العلاقة بين أبو ظبي ومعهد بوصولا. لكن هذه الحرب تدور أيضا في المكتبات، كما وصف ذلك بدقة مقال على موقع “إنتيليجنس أونلاين” بتاريخ 29 يونيو/حزيران 2020.

في هذا السياق كيف يمكن تحليل آخر كتاب لنائب مجلس الشيوخ ناتالي غولي على سبيل المثال؟ فقد تم اتهامها قبل ست سنوات من طرف الصحافيين كريستيان شينو وجورج مالبرونو في كتابهما “أمراؤنا الأعزاء جدا” (الذي يصف كيف أن المال “أفسد” العلاقة مع ممالك الخليج وكيف كان السياسيون يتوددون لسفارة قطر في باريس“). وقد رفعت ناتالي غولي دعوى قضائية بتهمة التشهير.

بين غسيل الأموال و“الغسيل التحريري”

فعلاً، نشرت نائب مجلس الشيوخ في مارس/آذار 2022 كتابا عنوانه “أبجدية تمويل الإرهاب” (Abécédaire du financement du terrorisme) يذكر الأدوات المالية المختلفة التي يمكن لهذه الجماعات استعمالها لتمويل أنشطتها.

وقد تم ذكر قطر والإخوان المسلمين فيها عدة مرات، بما في ذلك بخصوص مواضيع بعيدة عن المسألة المالية.

تشرح غولي بأن “الإشارات إلى قطر مرتبطة بصلات مع جماعة الإخوان المسلمين الذين أحارب أفعالهم ومبادئهم، أي الإسلام السياسي”.

في نفس الوقت، لا يتطرّق الكتاب إلى الإمارات العربية المتحدة إلا بشكل هامشي، وبشكل مفاجئ نوعا ما، إذ تشيد السياسية بعملها في مكافحة غسيل الأموال.

مع أنه تم تصنيف الإمارات في المرتبة العاشرة في العالم على قائمة أسوأ الملاذات الضريبية والسرية المالية من طرف شبكة العدالة الضريبية (Tax Justice Network)، كما تم إدراجها في مارس/آذار 2022 في القائمة الرمادية لفريق العمل المالي (GAFI).

تؤكد غولي على أن “هذا الإدراج تم عند صدور كتابي، ولكن التحديث سيتم”. أما بخصوص عدم ذكر التورط الإماراتي في تمويل الإرهاب -مثل الاستعمال التاريخي للنظام المصرفي من قبل إرهابيي 11 سبتمبر/أيلول-.

فقد أوضحت نائب مجلس الشيوخ في بادئ الأمر بأنها لم تكن على علم بهذه المعلومة، قبل أن تشير بأن كتابها لا يعود إلى ذلك التاريخ.

وتؤكد قائلة: “لا توجد هناك أي إرادة بإخفاء المعلومات، أنا لا أقوم بالمحاباة، وليس لدي أي ارتباط مؤسسي أو مصلحي مع الإمارات”.

قدمت غولي هذا الكتاب في يونيو/ حزيران 2022 في لندن بفضل رحلة مدفوعة من طرف “كورنرستون غلوبال” وهي خليّة تفكير نشرت في 2017، بعد وقت قصير من بدء الحصار المفروض على قطر، تقريرًا يطعن في تنظيم كأس العالم لكرة القدم في هذه الدولة.

وبعد سنتين من ذلك، نشرت “نيويورك تايمز” تحقيقا مطوَّلا عن علاقة هذه الخلية ورئيسها، غانم نسيبة، بالإمارات.

تقول ناتالي غولي في هذا الصدد: “قمت بعدة رحلات إلى لندن مع ”كورنرستون“، فأنا أعمل منذ فترة طويلة مع [غانم نسيبة] في قضايا الإرهاب”.

وهو ما يؤكده مدير هذه الشركة قائلا: “ناتالي وزوجها الراحل صديقاي منذ فترة طويلة، ونحن نعمل معًا بشكل وثيق في القضايا ذات الاهتمام المشترك، خاصة فيما يخص مكافحة التطرف”.

وماذا عن العلاقات التعاقدية والمؤسساتية مع دولة الإمارات العربية المتحدة؟ يردّ غانم نسيبة: “ليس لشركة ”كورنرستون“ عقد اتصالات مع الإمارات”، وهو يدافع عن حيادية عمله.

“يجب أن تعلموا أن مقال ”نيويورك تايمز“ الذي تشيرون إليه كان موضوع طعن قانوني”، ثم أضاف محذّرًّا “أطلب منكم أن تسجّلوا بأنني لن أتردد في اتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة لحماية سمعتي”.

برلمانيون مستهدفون بشكل خاص

فضلا عن مراكز الفكر والمكتبات، فإن فكرة الربط بين قطر والإخوان المسلمين والإرهاب تشق طريقها في صفوف البرلمانيين، لا سيما من خلال مجموعات الصداقة البرلمانية.

تشرح جويل غاريود مايلام، نائب في مجلس الشيوخ من حزب الجمهوريين، ونائب رئيس مكلّفة بالإمارات العربية المتحدة في مجموعة “فرنسا-دول الخليج: ”يتمثل هدفهم في تطوير الروابط بين البرلمانات، أي القيام بدبلوماسية برلمانية“.

ثم تضيف بأنه ”حتى إذا لم يكن ذلك البلد يتمتع بنظام ديمقراطي، فإن مجموعة الصداقة تجعل من الممكن الترويج للديمقراطية“. لكن إذا كان البرلمانيون الفرنسيون يتحدثون إلى الإماراتيين عن الديمقراطية دون أن يفعلوا ذلك علنًا، فإن المسؤولين الإماراتيين يمرّرون رسائلهم أيضًا في فرنسا.

ففي ديسمبر/كانون الأول 2021، استقبلت المجموعة وفداً إماراتياً حول موضوع مكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب.

ولم ينس الوفد في تقريره التذكير بإدراج الإمارات لجماعة الإخوان المسلمين كمنظمة إرهابية، إلى جانب القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية.

وبعد ذلك بقليل، في بداية 2022، سافر ثلاثة من أعضاء مجلس الشيوخ إلى المملكة العربية السعودية والإمارات. ونقرأ في التقرير الذي أُنجز عن هذا اللقاء بأنه”(…) سمح بالتأكيد على أهمية التعاون الفرنسي-الإماراتي في مجال مكافحة الإرهاب والإسلام السياسي”.

هل كانت هناك آثار في فرنسا لهذه “الحرب المعرفية” التي تشنها الإمارات؟ في مقابلة أجرتها معه جريدة “لوفيغارو” في 22 أكتوبر/تشرين الأول 2020، ردّد برونو لومير، وزير الاقتصاد، نفس اللازمة: “مشروع الإسلام السياسي بسيط: تدمير الأمة الفرنسية، تدمير قيمها، تشويه ذاكرتنا الوطنية وتلغيم تاريخنا. (…) أتذكر آخر لقاء أجريته مع أحد أقوى حلفائنا في الخليج، ولي عهد الإمارات العربية المتحدة، محمد بن زايد.

أخبرني أن الوقت قد حان لكي نفتح أعيننا على ما يحدث في فرنسا. بالنسبة للإسلام السياسي، لم يعد الشيطان الأكبر هو الولايات المتحدة، بل أوروبا وفرنسا”.

بعد أقل من عام، تم تمرير القانون الذي يعزّز مبادئ الجمهورية الفرنسية لمحاربة “الانفصالية” الإسلامية -وهي معركة تشمل الوهابية والسلفية والإخوان المسلمين.

ومن ذلك، تم التذرع بحجة مكافحة “الانفصالية” لإغلاق أو محاولة إغلاق عدد من الهياكل والأماكن -المرتبطة في بعض الأحيان بجماعة الإخوان-، وفي اتخاذ قرار طرد الداعية حسن إكويسن.

خطاب يغذي العداء

يقلق تعزيز الترسانة القمعية الفرنسية هذه، الموجهة بشكل خاص ضد جماعة الإخوان المسلمين، جمعية “الحق في الحق” (Droit au droit)، التي تذكر في تقريرها حول النفوذ الإماراتي في بروكسل: “يمكن أن يؤدي تبني هذه الرواية [ربط الإخوان المسلمين بالإرهاب] إلى آثار سلبية، لأنه ينطوي على المساهمة في مشكلة العداء المتنامي تجاه المسلمين في أوروبا، بما فيهم العلمانيين. كما يمكن أن يساهم في زعزعة استقرار المجتمعات الأوروبية على المدى الطويل”.

هل يمكن أن يكون التكرار المستفيض لرسالة تبسيطية قد أثّر في فرنسا، مع خطر إثارة الجدل أو حتى التوتر الاجتماعي؟ من وسائل الإعلام إلى مجموعات الصداقة البرلمانية، مرورًا بسجل ممثلي المصالح، لا أحد يشكّ في أن أساليب الضغط المستعملة من طرف البلدان الشريكة لنا تحتاج إلى أن تكون أكثر شفافية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى