استثمارات نخبوية تقتات على مدارس الاحتياجات الخاصة في بريطانيا

كشفت تحقيقات وتحليلات حديثة نشرتها صحيفة ذا تايمز البريطانية عن واقع مقلق في قطاع مدارس الاحتياجات التعليمية الخاصة والإعاقات (SEND) في المملكة المتحدة، حيث تجني شركات مدعومة بصناديق أسهم خاصة بينها كيانات يرتبط بها كل من المغني العالمي بونو والشيخ منصور بن زايد ملايين الجنيهات سنوياً، في وقت تكافح فيه المجالس المحلية لتأمين أبسط متطلبات الرعاية للأطفال الأكثر ضعفاً.
وجاءت هذه المعطيات في سياق نقاش سياسي محتدم، بعدما وصف رئيس الوزراء البريطاني السير كير ستارمر بعض شركات الاستثمار الداعمة للمدارس الخاصة المستقلة للاحتياجات الخاصة بأنها “نسور” تسعى إلى “نهب أموال دافعي الضرائب”.
وتؤكد مجالس محلية في مختلف أنحاء البلاد أن الإنفاق المتصاعد على خدمات SEND بات يدفعها إلى حافة الانهيار المالي.
وبحسب التحليل، تتحمل المجالس المحلية فواتير قد تصل إلى 350 ألف جنيه إسترليني سنوياً للطفل الواحد في بعض الحالات، فيما تفرض المدارس الخاصة رسوماً بمتوسط 63 ألف جنيه سنوياً، أي أكثر من ضعف تكلفة المدرسة الحكومية الخاصة، وفق بيانات وزارة التعليم البريطانية.
ولمواجهة هذا النزيف، أعلنت وزيرة التعليم بريدجيت فيليبسون فرض سقوف للأسعار وتمويلاً بنطاقات محددة، إضافة إلى صلاحيات جديدة للحد من افتتاح أو توسع المدارس الخاصة المستقلة للاحتياجات الخاصة.
ويكشف التحقيق أن صناديق الأسهم الخاصة باتت تسيطر على قرابة ثلث سوق مدارس SEND الخاصة عبر 15 شركة رئيسية. وتظهر السجلات المالية أن بعض هذه الشركات مملوكة لكيانات مسجلة في ملاذات ضريبية مثل جزر كايمان وغيرنزي، وتعمل بهوامش ربح تتجاوز 20%.
وأكبر مشغل في القطاع هو مجموعة أوتكومز فيرست التي تدير قرابة 100 مدرسة وتوفر أكثر من 5 آلاف مقعد دراسي.
وقد استحوذت عليها شركة الأسهم الخاصة الأميركية TPG عام 2023 في صفقة قُدرت بنحو مليار دولار، عبر «صناديق رايز» ذات “الأثر الاجتماعي” التي شارك بونو في تأسيسها ويجلس في مجلسها الاستشاري إلى جانب ريتشارد برانسون.
وحققت «أوتكومز فيرست» أرباحاً تشغيلية بلغت 7.1 ملايين جنيه إسترليني من إيرادات وصلت إلى 264.3 مليون جنيه العام الماضي.
وتعود ملكية الشركة في معظمها إلى كيان مسجل في جزر كايمان، فيما تؤكد الإدارة أنها تعيد استثمار الأرباح وتدفع الضرائب كاملة داخل بريطانيا.
الشيخ منصور ومجموعة «ويذرزلاك»
أما أكثر المشغلين تحقيقاً للأرباح، بحسب تحليل شركة استخبارات الأعمال «لينغ بوييسون»، فهي مجموعة ويذرزلاك التي استحوذت عليها شركة تابعة لـ مبادلة للاستثمار عام 2021.
وبلغت أرباح المجموعة بعد الضريبة 44.6 مليون جنيه في 2024، أي أكثر من خمس إيراداتها السنوية.
وأثارت بعض مدارس المجموعة مخاوف جدية بعد عمليات تفتيش طارئة أجرتها هيئة أوفستد، من بينها مدرسة برسوم يومية تصل إلى 116 ألف جنيه سنوياً، حيث سُجلت حوادث تنمر وسلوك عنيف.
ورغم أن تفتيشاً لاحقاً أشار إلى اتخاذ “إجراءات حاسمة”، بقيت الأسئلة مطروحة حول سلامة التلاميذ مقابل الأرباح الضخمة.
نظام يضغط على المجالس… ويغري الشركات
يلعب هذا القطاع دوراً حاسماً في تعليم أطفال لا تستطيع المدارس العادية تلبية احتياجاتهم، لكن ازدهاره جاء بالتوازي مع تضاعف عدد الأطفال الحاصلين على خطط تعليمية وصحية ورعائية (EHCPs) خلال العقد الماضي.
وبموجب قانون الأطفال والأسر لعام 2014، تُلزم المجالس المحلية بتوفير رعاية بديلة مهما بلغت التكلفة، ما فتح الباب أمام توسع خاص محموم، بمعدل مدرسة جديدة كل خمسة أيام.
وقدرت المجالس المحلية مدفوعاتها للشركات الخاصة بنحو 2.2 مليار جنيه العام الماضي، مع توقعات بديون تصل إلى 8 مليارات جنيه بحلول 2028. ووصف الحزب الديمقراطي الليبرالي الأطفال الأكثر ضعفاً بأنهم “أبقار حلوب لشركات نسرية”.
وقد تفاقمت الأزمة مع تكاليف النقل، إذ أنفقت السلطات المحلية 1.5 مليار جنيه على نقل أطفال SEND في عام واحد. وسجل مجلس مقاطعة ستافوردشير فاتورة سيارات أجرة بقيمة 72 ألف جنيه لتلميذ واحد يقطع مسافة تقل عن خمسة أميال يومياً، في مثال صارخ على الهدر البنيوي.
وتُظهر هذه التحقيقات أن نظام SEND البريطاني بات رهينة توازن مختل: حاجة حقيقية للأطفال، مقابل سوق خاص شديد الربحية، تحركه صناديق استثمار عابرة للحدود.
وبينما تتبادل الحكومة والشركات الاتهامات، يبقى العبء الأكبر واقعاً على المجالس المحلية… وعلى أطفال تحولت احتياجاتهم إلى أرقام في دفاتر الأرباح.




