فايننشال تايمز: أزمة مانشستر سيتي تضغط على العلاقات البريطانية مع الإمارات

قالت صحيفة فايننشال تايمز البريطانية إن أزمة إدانة نادي مانشستر سيتي الإنجليزي بارتكاب مخالفات مالية وقانونية تضغط على العلاقات البريطانية مع الإمارات العربية المتحدة في وقت تحاول الحكومة البريطانية حماية العلاقات الدبلوماسية بعد الضربة التي تلقاها النادي المملوك إماراتيًا.
وبحسب الصحيفة فإنه بينما كانت الطائرات المسيّرة والصواريخ الإيرانية تهدد أبوظبي ودبي هذا الربيع، حلّقت المقاتلات البريطانية فوق شبه الجزيرة العربية للمشاركة مع القوات الإماراتية في التصدي لها، ورأت الإمارات في الحرب الأميركية-الإسرائيلية ضد إيران لحظة أزمة كشفت لها أيّ حلفائها يمكن الاعتماد عليهم.
وساد في أبوظبي انطباع بأن بريطانيا وقفت إلى جانب الإمارات بعد سنوات من العلاقات الفاترة، مع تحليق مقاتلات تايفون في أجوائها، لكن هذه العلاقات الدبلوماسية تواجه الآن اختبارًا جديدًا، بعد قرار الدوري الإنجليزي الممتاز بحق مانشستر سيتي عقب تحقيق استمر أربع سنوات، ما أدى إلى توتر بين البلدين.
وقد أُدين النادي، الذي يملكه أحد أفراد الأسرة الحاكمة في أبوظبي منذ عام 2008، في 114 تهمة من أصل 115 تتعلق بمخالفة القواعد المالية.
وإذا جرى تثبيت القرار بعد الاستئناف، فقد يواجه النادي عقوبات تتراوح بين غرامات كبيرة وخصم نقاط، وصولًا إلى الطرد من الدوري الإنجليزي الممتاز أو إلزامه بدفع تعويضات لأندية أخرى.
وقال سايمون بيني، المفوض التجاري البريطاني السابق للشرق الأوسط: “ستكون القضية حساسة، وقد يكون هناك شعور بأن مانشستر سيتي جرى استهدافه بشكل خاص”، لكنه أضاف: “إذا كانت المخالفات حقيقية، فسيكون من الصعب القول إن القرار ذو دوافع سياسية”.
وكانت العلاقات بين بريطانيا والإمارات قد تدهورت خلال السنوات الأخيرة بسبب ملفات عدة، من بينها محاولة مدعومة إماراتيًا للاستحواذ على صحيفة (ديلي تلغراف) وانتهت بالفشل، والخلافات بشأن الحرب الأهلية في السودان، إضافة إلى مخاوف في أبوظبي من أن بريطانيا لم تتخذ إجراءات كافية ضد جماعة الإخوان المسلمين، وهي حركة سياسية إسلامية.
وحاولت حكومات بريطانية متعاقبة إعادة ضبط العلاقات بهدف جذب استثمارات من الدولة الخليجية الغنية بالنفط، وبذلت الحكومة منذ وصول حزب العمال إلى السلطة عام 2024، جهودًا مكثفة لتحسين العلاقات، فيما ساهم التعاون العسكري في دعم هذا المسار.
وسعى الوزراء إلى إبعاد السياسة ومالكي النادي عن الجدل، في أعقاب قرار يوم الجمعة.
وقالت وزيرة الثقافة ليزا ناندي، السبت، إن الدوري الإنجليزي الممتاز “يضع قواعده بنفسه” وإن عليه “تسوية المسألة في أسرع وقت ممكن”.
وأضافت في حديث إلى هيئة الإذاعة البريطانية بي بي سي: “نرحب بالاستثمار في كرة القدم الإنجليزية من جميع أنحاء العالم… لكن المستثمرين لا يضعون قواعد اللعبة؛ إنهم أوصياء على أندية كرة القدم لدينا”، وتابعت: “ليس من حقهم وضع قواعد اللعبة. كرة القدم ملك لجماهيرها”.
وقال محللون إن أبوظبي وداونينغ ستريت سيحاولان على الأرجح احتواء أي تداعيات سياسية.
وقال الأكاديمي الإماراتي عبد الخالق عبد الله إن القضية “كانت سيئة جدًا في بداية التحقيق”، مضيفًا: “أعتقد أنها تقترب إلى حد كبير من نهايتها الآن، وعليهم فقط التعامل معها قانونيًا بدلًا من سياسيًا”.
ويُقال إن رئيس الوزراء آندي برنهام ووزير الأعمال والنائب عن مانشستر جوناثان رينولدز تربطهما علاقات جيدة مع خلدون المبارك، رئيس نادي مانشستر سيتي وأحد أبرز المسؤولين في أبوظبي.
والتقى خلدون المبارك رينولدز في لندن خلال الأسبوعين الماضيين، وفق مسؤول حكومي، لكنهما لم يناقشا وضع مانشستر سيتي.
وتحدث مع رئيس الإمارات محمد بن زايد آل نهيان مع برنهام بعد أيام من توليه رئاسة الوزراء خلفًا للسير كير ستارمر في يوليو، وشكره “على استثمارات بلاده في مانشستر والأثر المذهل الذي أحدثته”، بحسب بيان رسمي صدر آنذاك.
وقال عبد الله إن القادة الإماراتيين يشعرون بأنهم “يعرفونه، وأن لديه مواقف إيجابية تجاه الإمارات ويقدّر ما فعلته الإمارات من أجل مانشستر”.
وقال مسؤول غربي سابق إنه رغم تحسن العلاقات في عهد ستارمر، فإن موقف محمد بن زايد خلال الصراع تطور إلى حد القول: “نحن سعداء بعلاقتنا مع بريطانيا ونريد أن نفعل المزيد معها”. وأضاف المسؤول أن الحكم “لن يغيّر ذلك بحد ذاته، لأنهم على الأرجح كانوا يعلمون أنه قادم”.
لكنه أوضح أن “ما قد يزعجهم هو أن يستغل معلقون أو أشخاص في مواقع سلطة أو سياسيون في بريطانيا القضية لشن هجوم أوسع على الإمارات، وهذا هو الخطر الثانوي، وهو ما حدث في قضية صفقة تلغراف”.
وبلغ حجم التجارة الثنائية بين البلدين 25 مليار جنيه إسترليني العام الماضي، وفق مسؤولين، فيما أسفرت شراكة استثمار سيادي عن التزامات استثمارية إماراتية بقيمة 30 مليار جنيه إسترليني، يشرف عليها المبارك، الذي يشغل أيضًا منصب الرئيس التنفيذي لمجموعة (مبادلة)، أحد أنشط صناديق الاستثمار السيادية في أبوظبي.
ويرأس منصور بن زايد آل نهيان، نائب رئيس الوزراء الإماراتي وشقيق رئيس الدولة محمد بن زايد، الصندوق الذي تبلغ أصوله 385 مليار دولار، وتشمل استثماراته في بريطانيا شبكات الإنترنت عبر الألياف الضوئية، وكابلات الكهرباء البحرية، ومبادرات في علوم الحياة.
واستفادت الإمارات من موقعها الجغرافي لتصبح مركزًا مهمًا في سلاسل الإمداد العالمية، كما استخدمت ثروتها لتنفيذ استثمارات خارجية لافتة، خصوصًا في بريطانيا، من حصص في بنك باركليز إلى مزارع طاقة الرياح البحرية.
وبدا استحواذ منصور بن زايد على مانشستر سيتي عام 2008 وكأنه يجسد الفوائد التي يمكن أن تحققها بريطانيا والإمارات من علاقتهما.
ورغم إصرار أبوظبي على أن ملكية النادي مسألة خاصة، فإن نجاح مانشستر سيتي ساهم في تعزيز صورة الإمارة.
وزاد منصور بن زايد الاستثمارات في النادي بشكل كبير، ما ساعد سيتي على الفوز بالألقاب، إلى جانب دعم الوظائف والبنية التحتية في المنطقة المحيطة بملعبه.
وأُعيدت تسمية الملعب ليصبح (استاد الاتحاد) ضمن اتفاق رعاية مع شركة الطيران المملوكة للدولة عام 2011.
ويُعد فارون تشاندرا، مبعوث برنهام للأعمال، من بين المسؤولين الذين يحاولون ضمان ألا يؤدي الحكم إلى تدهور أوسع في العلاقات.
وقال مسؤول حكومي رفيع: “لا نعتقد أنه ستكون هناك أي إجراءات انتقامية. هذه القضية مستقلة تمامًا عن الحكومة”، ومن غير المرجح أن تكون كرة القدم أولوية كبيرة بالنسبة إلى أبوظبي في ظل الحرب الأميركية-الإيرانية.
لكن عبد الله قال إن الصراع نفسه أفاد العلاقات بين بريطانيا والإمارات، وأضاف: “أدركت الإمارات أخيرًا أن بريطانيا ضمن قائمة الأصدقاء الجيدين الذين يمكن الاعتماد عليهم عندما تصبح الظروف صعبة”.




