قراءة أوروبية في دوافع الجزائر إرسال قوات إلى النيجر
في مواجهة التهديد الإماراتي الإسرائيلي المغربي

وصلت قافلة عسكرية جزائرية إلى النيجر في 30 أكتوبر/تشرين الأول، في أول انتشار للقوات الجزائرية خارج البلاد منذ عام 1973، وفق تقارير إعلامية. وتقول الجزائر إن مهمتها حماية منشآت الطاقة والمصالح الاقتصادية، فيما يرى محللون أوروبيون أن الخطوة تعكس تغيراً في حسابات الأمن الجزائري مع اتساع التنافس الإقليمي في الساحل، وتوتر العلاقات مع الإمارات، وتقاطع مصالح أبوظبي والرباط وتل أبيب.
وبحسب يقدم موقع ميدل إيست آي البريطاني، فقد جاء الانتشار بعد موافقة البرلمان الجزائري على إرسال وحدات عسكرية إلى النيجر، ثم صدور قرار الرئيس عبد المجيد تبون بتنفيذ الخطوة. وكانت نيامي قد طلبت نشر القوات، وفق تقارير عن الاتفاق بين البلدين.
وقال السيناتور الجزائري بلقاسم بلغيتي إن القوات ستتولى حماية البنية التحتية الاقتصادية والمنشآت النفطية التابعة لشركات جزائرية، مؤكداً أن بلاده «لن ترسل جنودها لشن حرب في النيجر». ولم تعلن الجزائر حجم القوة أو مدة انتشارها. الجزيرة
وتكتسب الخطوة دلالتها من تحول موقف الجزائر تجاه قيادة النيجر. فقد عارضت الجزائر انقلاب 2023 الذي أوصل الجنرال عبد الرحمن تياني إلى السلطة، قبل أن تتقارب معه لاحقاً.
وفي أغسطس/آب، أرسلت الجزائر طائرات عسكرية إلى نيامي عقب محاولة انقلاب استهدفت الحكم، في تحرك عُدّ دعماً للسلطة القائمة. ويرى مراقبون أن إرسال قوات برية يوسّع هذا الدعم، وإن كانت الجزائر تقدمه باعتباره إجراءً لحماية منشآت ومصالح اقتصادية، لا تدخلاً في الحرب الداخلية.
ويضع زين غبولي، الباحث الزائر في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، التحرك ضمن «متطلبات أمنية جديدة» تفرضها التطورات في الساحل، ولا سيما حماية مصالح الجزائر في قطاع الطاقة. ويشير هذا التقدير إلى أن سياسة عدم التدخل التي تبنتها الجزائر طويلاً باتت تواجه ضغوطاً متزايدة مع تنامي حضور قوى خارجية ومجموعات مسلحة في محيطها الجنوبي.
وتتزامن الخطوة مع أزمة غير مسبوقة بين الجزائر والإمارات؛ إذ قطعت الجزائر العلاقات الدبلوماسية مع أبوظبي في سبتمبر/أيلول، متهمة إياها بأعمال وصفتها بالعدائية، كما أعلنت إغلاق مجالها الجوي أمام الطائرات الإماراتية.
ولم تعلن الجزائر رسمياً أن نشر قواتها في النيجر يهدف إلى مواجهة الإمارات أو المغرب أو إسرائيل، لكن محللين يربطون التحرك بتصور جزائري أوسع للتهديدات الإقليمية وبالتنافس على النفوذ في الساحل وليبيا. وكالة أسوشيتد برس
ويقول غبولي إن الجزائر تنظر بقلق إلى الدعم الإماراتي لأطراف مختلفة في ليبيا والسودان ومنطقة الساحل، معتبراً أن هذا الدعم يسهم في تعميق الانقسامات. كما يشير إلى أن تقارب الإمارات مع إسرائيل، وضغطها لتوسيع اتفاقات التطبيع، يشكلان جانباً آخر من الخلاف بين الجزائر وأبوظبي.
وتبرز ليبيا في حسابات الجزائر أيضاً. فالإمارات تدعم خليفة حفتر، القائد الفعلي في شرق ليبيا، فيما أدى توسع نفوذ قواته باتجاه الممرات التي تربط ليبيا بالنيجر إلى زيادة المخاوف الجزائرية بشأن الوضع على حدودها الجنوبية.
ونقل محلل شؤون ليبيا جليل حرشاوي أن صدام حفتر، نجل خليفة، يدعم محمود صلاح، وهو معارض لتياني، ما يضع أطرافاً ليبية في مواجهة مصالح الجزائر داخل النيجر. لكنه شدد على أن نشر القوات الجزائرية في النيجر لا يعني بالضرورة تدخلاً جزائرياً في ليبيا؛ فالمهمة المعلنة تتعلق بالأمن داخل الأراضي النيجرية.
وتتداخل الاعتبارات الأمنية مع تنافس اقتصادي على مسارات نقل الغاز. تعمل شركة «سوناطراك» الجزائرية، بالتعاون مع النيجر والمؤسسة الوطنية النيجيرية للبترول، على مشروع خط أنابيب عابر للصحراء بطول يقارب أربعة آلاف كيلومتر، لنقل الغاز النيجيري عبر النيجر والجزائر إلى أوروبا. وتقول المحللة السياسية فاتحة دازي هيني إن حماية منشآت الطاقة، بما فيها مشاريع «سوناطراك» وممر الأنبوب، تمثل هدفاً أساسياً للانتشار.
وفي المقابل، يروج المغرب لمشروع خط أنابيب ينقل الغاز النيجيري عبر الساحل الأطلسي إلى الأسواق الأوروبية، وقد وافقت الإمارات على دعمه مالياً وتقنياً. وتكتسب النيجر أهمية خاصة في هذا التنافس، إذ يمر بها المسار الجزائري المقترح، ما يجعل استقرارها وموقع السلطة فيها عاملين مؤثرين في فرص المشروعين.
وتتقاطع هذه التحركات مع محاولات مغربية لتوسيع التواصل مع عائلة حفتر، إذ زار الفريق خالد حفتر، رئيس أركان القوات التابعة لشرق ليبيا، المغرب الشهر الماضي. كما قد يتيح التقارب التركي مع حفتر للجزائر قناة اتصال غير مباشرة، نظراً إلى علاقات أنقرة الوثيقة بالجزائر وتشابك مصالح الطرفين في ليبيا والسودان.
وبذلك، لا يقتصر انتشار القوات الجزائرية على حماية منشآت نفطية، وفق الرواية الرسمية، بل يأتي في منطقة تتقاطع فيها حسابات الأمن والطاقة والنفوذ. غير أن ربط الخطوة مباشرة بمواجهة محور إماراتي مغربي إسرائيلي يبقى قراءة يقدمها محللون، لا هدفاً معلناً من الجزائر. وتكشف الخطوة، في الحد الأدنى، استعداد الجزائر لاستخدام الوجود العسكري خارج حدودها لحماية ما تعتبره مصالح استراتيجية، وسط إعادة رسم موازين القوى في الساحل.




