إيكونوميست: حكام دول الخليج يواجهون أزماتهم الخارجية بتشديد قبضتهم داخلياً

سلطت مجلة “إيكونوميست” البريطانية الضوء على ما وصفته بمحاولات حكام دول الخليج إثبات قوتهم داخلياً في ظل تصاعد التحديات الأمنية والسياسية التي تواجه المنطقة، مشيرة إلى أن الإجراءات الأخيرة شملت قيوداً واسعة وسحب جنسيات وحملات أمنية.
وقالت المجلة إن الكويت أصبحت نموذجاً بارزاً لهذا التحول، حيث بات كثير من المواطنين ينتظرون يوم الخميس بقلق مع نشر قوائم جديدة لأسماء أشخاص قررت السلطات سحب جنسيتهم.
وبحسب منظمات حقوقية، فقد جُرد عشرات الآلاف من الجنسية الكويتية منذ مايو/أيار 2024، إلى جانب أفراد عائلاتهم، في حملة واسعة انعكست على أوضاعهم القانونية والمعيشية.
وأوضحت التقارير أن المتضررين فقدوا امتيازات مرتبطة بالمواطنة، بينها فرص العمل الحكومي الدائم والرعاية الصحية المجانية وحقوق امتلاك العقارات وإدارة الشركات.
ونقلت “إيكونوميست” عن كويتيين قولهم إن آثار القرارات تجاوزت الجانب القانوني والاقتصادي، ووصلت إلى مستويات كبيرة من الضغط الاجتماعي والنفسي.
واعتبرت المجلة أن الكويت ليست حالة منفصلة، بل جزء من مشهد خليجي أوسع تواجه فيه الأنظمة تحديات استراتيجية متزايدة بفعل التوترات الإقليمية وتراجع الثقة بالحماية الخارجية التقليدية.
وأشارت إلى أن دول الخليج تواجه بيئة أمنية معقدة مع تصاعد تهديدات إيران وحلفائها، والتوتر المرتبط بمضيق هرمز الذي يمثل ممراً أساسياً لصادرات النفط والغاز.
وبحسب تحليل المجلة، فإن عدم القدرة على معالجة هذه المخاطر الخارجية دفع بعض الحكومات الخليجية إلى التركيز على إظهار القوة داخلياً عبر إجراءات أمنية أكثر تشدداً.
وقالت إن الحرب والتوترات الإقليمية وفرت غطاءً لتطبيق سياسات استثنائية اقتربت في بعض جوانبها من إجراءات الطوارئ، مع اعتقالات وترحيل وسحب جنسيات في عدة دول.
وأشارت إلى أن الكويت شددت في أبريل/نيسان معايير الحصول على الجنسية، فيما وصف أمير البلاد الشيخ مشعل الأحمد الصباح هذه الإجراءات بأنها جزء من عملية “تطهير وطني”.
كما تناول التقرير تعامل بعض دول الخليج مع مواطنيها ومقيميها الشيعة في ظل التصعيد مع إيران، مشيراً إلى تنامي المخاوف الأمنية تجاه هذه الفئة في عدد من الدول باستثناء سلطنة عمان.
وذكرت المجلة أن الإمارات، التي تضم جالية إيرانية كبيرة، اتخذت إجراءات شملت إغلاق مؤسسات إيرانية، بينها مدارس ونواد، إلى جانب قيود طالت بعض المقيمين الإيرانيين.
ونقلت عن مسؤولين ومواطنين خليجيين مخاوفهم من أن تؤدي هذه السياسات إلى نتائج عكسية، خصوصاً في دول صغيرة تعتمد على استقرارها الداخلي وتركيبتها السكانية.
وفي الكويت، اعتبرت “إيكونوميست” أن التحولات السياسية بدأت قبل التصعيد الإقليمي الأخير، بعدما علق الأمير عمل البرلمان المنتخب في مايو/أيار 2024 وبدأ الحكم بالمراسيم.
وأضافت أن الإجراءات توسعت لاحقاً لتشمل قيوداً على المجال العام والإعلام والنقاشات السياسية، وسط انتقادات من شخصيات أكاديمية وحقوقية اعتبرت أن مساحة المشاركة العامة تقلصت بصورة كبيرة.
وحذر محللون أمنيون من أن حملات سحب الجنسية والتضييق السياسي قد تؤثر على تماسك المجتمعات الخليجية، خاصة في ظل انخفاض عدد السكان المواطنين مقارنة بالقوى الإقليمية المحيطة.
وتثير معايير سحب الجنسية المتغيرة مخاوف لدى قطاعات مختلفة، بعدما شملت القرارات نساء أجنبيات متزوجات من كويتيين ومسؤولين وشخصيات في قطاعات حيوية.
كما رصد التقرير تصاعد الضغوط الطائفية في بعض الدول، مع مخاوف من عودة الانقسامات التي تراجعت خلال السنوات الماضية.
وأشار إلى أن بعض الشيعة في الخليج لجؤوا إلى إظهار الولاء العلني للحكومات عبر تغيير صور حساباتهم أو الابتعاد عن رموز دينية معينة، وسط استمرار حالة الشك.
وفي مقابل هذا النهج، أبرز التقرير سياسة سلطنة عمان المختلفة، حيث حافظت مسقط على قنوات تواصل مفتوحة مع إيران وسعت إلى تعزيز موقعها الاقتصادي والدبلوماسي.
وقالت المجلة إن عمان تسعى للاستفادة من موقعها الجغرافي وعلاقاتها الإقليمية لتصبح مركزاً تجارياً أكثر أهمية، مستقطبة بعض المستثمرين والمقيمين الذين غادروا دولاً خليجية أخرى.
ورغم أن النظام السياسي العماني لا يزال مركزياً، فإن التقرير أشار إلى أن مسقط تجنبت بدرجة أكبر سياسات الهوية والاستقطاب الداخلي مقارنة بجيرانها.
واعتبرت “إيكونوميست” أن التطورات الأخيرة تكشف مفارقة خليجية متزايدة، إذ تسعى حكومات المنطقة لإظهار القوة والسيطرة داخلياً في الوقت الذي تواجه فيه ضغوطاً استراتيجية وأمنية متصاعدة خارج حدودها.




