غزة بين نموذج أيرلندا الشمالية لنزع السلاح والتهديد باستئناف حرب إسرائيل

تواجه خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإنهاء حرب إسرائيل في غزة خطر التعثر، مع تصاعد الخلاف بشأن ملف نزع سلاح حركة حماس والفصائل الفلسطينية، وسط تحذيرات من أن الإصرار على تسليم كامل وفوري للأسلحة قبل تنفيذ بقية مراحل الاتفاق قد يعيد القطاع إلى دائرة التصعيد العسكري.
وبحسب تحليل أصدره المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، تتمحور الأزمة حول تفسير بنود خطة ترامب المكونة من عشرين نقطة، والتي تهدف إلى إنهاء الحرب وإعادة ترتيب الوضع الأمني والسياسي في قطاع غزة عبر مراحل تشمل وقف القتال، وإعادة الإعمار، وترتيبات الحكم المستقبلية، وإنهاء الدور العسكري لحماس.
ويطالب مجلس السلام الذي شكله ترامب للإشراف على تنفيذ الاتفاق بأن يكون نزع السلاح الكامل في غزة شرطاً أساسياً قبل الانتقال إلى خطوات أخرى، بما يشمل تسليم الفصائل والأفراد المسلحين قدراتهم العسكرية بشكل كامل ودون شروط.
وتدعم إسرائيل هذا التفسير، محذرة من إمكانية استئناف العمليات العسكرية في القطاع إذا رفضت حماس التخلي عن ترسانتها العسكرية.
في المقابل، ترفض الحركة الفلسطينية تسليم أسلحتها قبل تنفيذ إسرائيل التزاماتها بموجب الاتفاق، خاصة ما يتعلق بفتح المجال أمام دخول المساعدات الإنسانية بشكل كامل، ووقف العمليات العسكرية، والانتقال إلى مراحل سياسية وأمنية واضحة.
ويرى دبلوماسيون ومراقبون أن هذا الخلاف أصبح العقبة الرئيسية أمام استمرار خطة غزة، بعدما تحولت قضية السلاح من بند ضمن مسار سياسي طويل إلى شرط مسبق يهدد بتجميد جميع الملفات الأخرى.
وتنص المرحلة الأولى من خطة ترامب على وقف الأعمال العدائية، وتبادل الأسرى، وتوفير الإغاثة الطارئة، وبدء خطوات التعافي المبكر.
أما المرحلة الثانية فتتعلق بإعادة الإعمار والترتيبات الأمنية طويلة الأمد، وتشمل انسحاباً إسرائيلياً تدريجياً ونزع سلاح حماس، دون أن تحدد الخطة الأصلية بشكل واضح آلية تنفيذ هذا البند.
وتشمل المرحلة الأخيرة انتقال إدارة غزة إلى السلطة الفلسطينية بعد تنفيذ إصلاحات سياسية، مع الحديث عن مسار يؤدي إلى حق الفلسطينيين في تقرير المصير وإقامة دولة.
لكن بعد أشهر من إعلان الخطة، لا تزال العديد من البنود الأساسية دون تنفيذ كامل، وسط استمرار الخلافات بشأن الأمن والحكم وإعادة الإعمار.
وتقول جهات فلسطينية إن إسرائيل لم تلتزم بتسهيل وصول المساعدات الإنسانية بالشكل المطلوب، كما استمرت في السيطرة على أجزاء واسعة من القطاع وتنفيذ عمليات عسكرية وهدم داخل المناطق الخاضعة لها.
كما لم يتم حتى الآن نشر قوة الاستقرار الدولية أو تفعيل اللجنة المدنية التي كان من المفترض أن تتولى إدارة غزة بدلاً من حماس.
وتعتبر حماس أن سلاحها يمثل ورقة ضغط رئيسية في ظل غياب الثقة بالضمانات الأمريكية والإسرائيلية، مؤكدة أنها لن تقبل بنزع كامل للسلاح قبل الوصول إلى حل سياسي نهائي.
وتشير تقارير دبلوماسية إلى أن الحركة أبدت استعداداً سابقاً لمناقشة خيارات وسط، مثل وقف النشاط العسكري، ووضع الأسلحة الثقيلة تحت رقابة طرف ثالث، أو تسليمها لاحقاً ضمن إطار فلسطيني متفق عليه.
ويطرح بعض مفاوضي حماس نموذج عملية السلام في أيرلندا الشمالية باعتباره مثالاً يمكن الاستفادة منه.
ففي تجربة أيرلندا الشمالية، لم يكن نزع سلاح الجيش الجمهوري الأيرلندي شرطاً مسبقاً لاتفاق السلام، بل جاء تدريجياً بعد وقف العنف وبناء الثقة بين الأطراف.
واستغرقت العملية سنوات طويلة قبل التخلص الكامل من الأسلحة، حيث اعتبر نزع السلاح نتيجة لمسار السلام وليس نقطة البداية.
ويرى مؤيدو هذا النموذج أن تطبيق صيغة مشابهة في غزة قد يشمل تخزين الأسلحة الثقيلة تحت رقابة دولية، ووقف استخدامها، وربط تفكيك القدرات العسكرية بمسار سياسي واضح.
لكن مجلس السلام تبنى حتى الآن موقفاً أكثر تشدداً، إذ يطالب بتسليم كل الأسلحة وتدمير الأنفاق والبنية العسكرية للفصائل خلال فترة محددة قبل أي انسحاب إسرائيلي واسع أو بدء إعادة الإعمار.
ويحذر منتقدو هذا النهج من أنه قد يؤدي إلى انهيار الاتفاق، لأنه يطلب من طرف تقديم تنازله الأساسي قبل الحصول على ضمانات مقابلة.
وحاول الوسطاء المصريون والقطريون تقديم مقترحات انتقالية لتقريب المواقف، بينها دمج موظفين مدنيين وعناصر أمنية غير عسكرية من حكومة غزة السابقة ضمن هياكل إدارية جديدة بعد إخضاعهم للتدقيق.
ويرى الوسطاء أن الحفاظ على الحد الأدنى من المؤسسات المحلية ضروري لمنع الفوضى وضمان استمرار الخدمات الأساسية.
لكن الخلاف الأكبر لا يزال متعلقاً بترتيب الخطوات: هل يأتي نزع السلاح أولاً أم بالتزامن مع إعادة الإعمار والانسحاب والحل السياسي؟
وتدعو أطراف أوروبية إلى تدخل أكثر فاعلية بالتنسيق مع دول مؤثرة مثل تركيا والسعودية وقطر ومصر لإقناع واشنطن بتبني مقاربة تدريجية.
وتقترح هذه الأطراف البدء بتفعيل إدارة مدنية فلسطينية في غزة، وإطلاق إعادة الإعمار، ونشر ترتيبات أمنية انتقالية، ثم الانتقال إلى ملف السلاح ضمن عملية سياسية أوسع.
ما تؤكد أهمية إجراء انتخابات فلسطينية تشمل غزة والضفة الغربية لإنتاج قيادة تتمتع بشرعية شعبية قادرة على اتخاذ قرارات صعبة بشأن مستقبل السلاح والحكم.
ويرى خبراء أن السلطة الفلسطينية يجب أن تكون جزءاً من أي ترتيب مستقبلي، سواء في إدارة الأموال أو الإشراف السياسي أو إعادة توحيد المؤسسات الفلسطينية.
ويؤكد هذا الاتجاه أن تفكيك القدرات العسكرية للفصائل لن يتحقق بالقوة أو الشروط المسبقة فقط، بل يحتاج إلى بديل سياسي وأمني يحظى بقبول محلي.
وفي حال فشل التوصل إلى صيغة وسط، يحذر مراقبون من عودة المواجهة العسكرية، وضياع فرصة تحويل وقف إطلاق النار إلى عملية سياسية طويلة الأمد.



