تحليل أوروبي: إسرائيل العقبة الأكبر أمام إحلال السلام في غزة

تواجه خطة إنهاء حرب الإبادة الإسرائيلية في قطاع غزة خطر الانهيار بسبب الخلاف حول توقيت نزع سلاح الفصائل الفلسطينية وانسحاب القوات الإسرائيلية، في وقت ترى فيه قراءة أوروبية أن الموقف الإسرائيلي المتشدد يمثل العقبة الأكبر أمام الانتقال من وقف إطلاق النار إلى تسوية سياسية دائمة.
وقال تحليل صادر عن المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية (ECFR)، إن الخلاف الأساسي بشأن غزة يتعلق بطبيعة المسار السياسي نفسه، بعدما أصبحت إسرائيل تربط الانسحاب من قطاع غزة بإتمام نزع السلاح الفلسطيني، وهو ما قد يحول عملية الانتقال إلى مسار مفتوح بلا سقف زمني واضح.
وتتمسك الحكومة الإسرائيلية، وفق الطرح الوارد في المادة، بالبقاء في غزة ومواصلة الضغط العسكري، كما تعارض انتقال إدارة القطاع إلى ترتيبات مدنية جديدة قبل نزع سلاح حركة حماس بالكامل.
وتطالب إسرائيل كذلك بضمانات بشأن الدول التي يمكن أن تشارك بقوات في ترتيبات الأمن الانتقالية داخل القطاع، في ظل اعتراضات على مشاركة دول مثل تركيا وقطر.
ويبرز الخلاف بصورة أكبر في مسألة الانسحاب الإسرائيلي إلى ما وراء ما يعرف بـ”الخط الأصفر”. فبينما تحدثت الصيغة الأصلية للاتفاق عن تنفيذ متزامن للالتزامات، ظهرت لاحقاً صياغات تربط بدء الانسحاب الإسرائيلي باستكمال خطوات نزع السلاح، وهو تغيير ترى القراءة الأوروبية أنه قد يمنح إسرائيل قدرة واسعة على تعطيل مراحل الاتفاق.
ويعني ربط الانسحاب الكامل بنزع سلاح غزة بالكامل أن إسرائيل يمكن أن تمتلك عملياً حق تعطيل الانتقال من مرحلة إلى أخرى، إذ يصعب عملياً إثبات إزالة جميع الأسلحة الموجودة في القطاع، خصوصاً مع وجود أسلحة بحوزة عائلات وعشائر وشبكات مسلحة وجماعات مختلفة.
وحذر المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية من أن النهج القائم على اشتراط نزع السلاح الكامل قبل الانتقال السياسي وإعادة الإعمار يحمل مخاطر كبيرة.
وسبق للمجلس أن دعا إلى اعتماد نموذج تدريجي لتفكيك القدرات العسكرية، بدلاً من المطالبة بنزع سلاح شامل وفوري، مع ربط العملية بمسار سياسي يقود إلى تسوية أوسع للصراع الإسرائيلي الفلسطيني.
وتكشف خارطة الطريق المطروحة للمرحلة الثانية عن طبيعة التعقيدات. فهي تتضمن وقفاً دائماً للأعمال القتالية، وترتيبات حكم انتقالية، ونشر قوة استقرار دولية، وتفكيكاً تدريجياً للأسلحة، إلى جانب انسحاب إسرائيلي مرحلي من القطاع.
كما تنص على أن عملية نزع السلاح يجب أن تكون تدريجية وقابلة للتحقق دولياً، وليس بالضرورة عملية استسلام فورية.
لكن الخلاف حول ترتيب هذه الخطوات يهدد بتحويل الاتفاق إلى معادلة “نزع السلاح أولاً ثم الانسحاب”، بدلاً من معادلة متبادلة يحصل فيها كل طرف على خطوات مقابلة.
ويشكل ذلك تحدياً أساسياً أمام الوسطاء، لأن حركة “حماس” وافقت على ترتيبات غير مسبوقة بشأن تفكيك قدراتها العسكرية، لكنها تربط استعدادها بالتزام إسرائيل بالانسحاب وإنهاء الحرب وفتح الطريق أمام عملية سياسية.
وأشار التحليل إلى أن حماس أبدت في مراحل سابقة استعداداً للتعامل مع فكرة تفكيك قدراتها العسكرية بصورة تدريجية، بما يشمل وقف إنتاج أسلحة جديدة وتفكيك القدرات الهجومية، شرط وجود مسار سياسي حقيقي ينهي الاحتلال ويفتح الطريق أمام تسوية أوسع.
وتواجه الوساطة الدولية بذلك اختباراً حاسماً، خصوصاً بالنسبة إلى المبعوث الأعلى نيكولاي ملادينوف، الذي حظي بإشادة دولية لدوره في التوصل إلى الترتيبات الحالية. وتدعو القراءة الأوروبية إلى استخدام هذا الرصيد السياسي للضغط على إسرائيل وحماس معاً لتنفيذ الالتزامات بدلاً من إعادة تفسيرها.
ويأتي ذلك في وقت حذر فيه مسؤولون أمريكيون من أن الرئيس دونالد ترامب سيكون “مخيّب الأمل بشدة” إذا أقدمت الحكومة الإسرائيلية على تعطيل الاتفاق. ويمنح ذلك واشنطن ورقة ضغط مهمة على رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي بنى جانباً مهماً من صورته السياسية على علاقته الوثيقة بترامب.
ودعا التحليل الاتحاد الأوروبي إلى استخدام أدواته الاقتصادية والسياسية، بما في ذلك إعادة بحث علاقاته واتفاقية الشراكة مع إسرائيل، إذا لم تلتزم الحكومة الإسرائيلية بتعهداتها.
وكان المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية قد دعا بالفعل إلى استخدام أدوات التجارة والتمويل الأوروبية للضغط على إسرائيل في ملفات مرتبطة بالحرب والاستيطان.
وبحسب التحليل يمثل مستقبل غزة السياسي جوهر الاختبار الحقيقي. فغياب مسار موثوق نحو تقرير المصير الفلسطيني قد يجعل نزع السلاح هدفاً قائماً بذاته، بدلاً من أن يكون خطوة ضمن عملية تؤدي إلى سلام دائم.
وحذر التحليل من أن إعادة إعمار غزة دون أفق سياسي لن تعالج جذور الصراع، كما أن استمرار السيطرة الإسرائيلية أو إبقاء القطاع في وضع أمني وعسكري مفتوح سيعيد إنتاج أسباب الحرب.
تحتاج المرحلة المقبلة، وفق التحليل، إلى ربط اتفاق غزة بحزمة إقليمية أوسع تشمل السعودية والدول العربية وتركيا والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، بحيث يصبح الانسحاب الإسرائيلي جزءاً من ترتيبات إقليمية تضمن الأمن والتطبيع وإعادة الإعمار، بالتوازي مع مسار يقود إلى حل الدولتين وتقرير المصير الفلسطيني.
وتبقى النتيجة مرتبطة بقدرة الوسطاء على تحويل الاتفاق من وثيقة لوقف القتال إلى آلية سياسية قابلة للتنفيذ. فإذا بقي نزع السلاح شرطاً إسرائيلياً مفتوحاً للانسحاب، فقد تتحول المرحلة الانتقالية إلى طريق مسدود. أما إذا جرى تنفيذ الخطوات بصورة متبادلة وقابلة للتحقق، فقد يصبح وقف إطلاق النار مدخلاً إلى تسوية أوسع بدلاً من مجرد هدنة مؤقتة.




