Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
تقارير

لماذا فشلت مصر في استرداد أموالها المجمدة في بنوك سويسرا؟

أخفقت مصر في استرداد الجزء الأكبر من الأصول التي جُمدت في بنوك سويسرا عقب سقوط نظام الرئيس الراحل حسني مبارك عام 2011، بعدما تحولت واحدة من أكبر عمليات ملاحقة الأموال المرتبطة بأنظمة “الربيع العربي” إلى مسار قضائي طويل انتهى بالإفراج عن مئات الملايين من الفرنكات وإعادتها إلى أصحابها.

وكشف مسار القضية أن تجميد الأموال لم يكن يعني إثبات أنها أموال منهوبة أو أن استعادتها أصبحت مسألة وقت، إذ اصطدمت السلطات المصرية بمعادلة قانونية معقدة تتطلب إثباتاً قضائياً واضحاً يربط الأصول بجرائم محددة، وهو ما لم تستطع الملفات المقدمة من القاهرة تحقيقه وفق المعايير القانونية السويسرية.

وكانت السلطات السويسرية قد جمدت في البداية أصولاً تبلغ قيمتها نحو 600 مليون فرنك سويسري مرتبطة بـ14 شخصاً، بينهم نجلا مبارك، إلى جانب عشرات الأفراد والكيانات الأخرى، في إطار التحقيقات التي بدأت بعد الانتفاضة الشعبية التي أنهت ثلاثة عقود من حكم مبارك.

لكن التحقيقات اللاحقة كشفت اتساع الفجوة بين الاشتباه السياسي والإثبات القضائي. فقد أُفرج عن أكثر من 210 ملايين فرنك سويسري في مرحلة مبكرة، قبل أن تتجه السلطات لاحقاً إلى الإفراج عن نحو 400 مليون فرنك إضافية وإعادتها إلى أصحابها، بعد عدم توافر أدلة كافية تدعم استمرار الإجراءات القضائية.

ويكمن جوهر القضية في الفرق بين التجميد والمصادرة. فالتجميد يمنع صاحب المال من نقله أو التصرف فيه مؤقتاً، لكنه لا ينقل ملكيته إلى الدولة المطالبة به. أما المصادرة فتتطلب مساراً قضائياً أكثر تعقيداً، يبدأ بتحديد مصدر الأموال وتتبع مسارها وإثبات ارتباطها بجريمة، وينتهي بأحكام أو قرارات قانونية قابلة للتنفيذ في الدولة التي توجد فيها الأصول.

وأدى ضعف الملفات المقدمة من السلطات المصرية، بحسب المادة الأصلية، إلى إضعاف موقف القاهرة أمام القضاء الأجنبي. كما ساهمت التطورات القضائية والسياسية داخل مصر، بما في ذلك البراءات والتصالحات وإغلاق بعض الملفات، في تقويض الحجج القانونية التي كان يمكن استخدامها للمطالبة بمصادرة الأموال في الخارج.

وتواجه الدول التي تسعى إلى استرداد أصول موجودة في سويسرا تحدياً إضافياً يتمثل في اختلاف الأنظمة القانونية. فالسلطات السويسرية لا تستطيع ببساطة مصادرة أموال بناءً على اتهامات سياسية أو مطالبات حكومية، بل تحتاج إلى أدلة قابلة للفحص القضائي تثبت أن الأصول جاءت من مصادر غير مشروعة.

ويزداد الأمر تعقيداً عندما تكون الأموال قد انتقلت عبر شركات أو حسابات وسيطة أو كيانات قانونية تخفي هوية المستفيد الحقيقي. فإثبات ملكية الأموال شيء، وإثبات أن مصدرها جريمة فساد أو اختلاس أو استغلال للنفوذ شيء آخر تماماً.

وتقول السلطات والخبراء في مجال استرداد الأصول إن العملية تمر عادة بعدة مراحل تبدأ بتحديد الأموال، ثم تجميدها، وبعد ذلك حجزها ومصادرتها، وصولاً إلى إعادتها إلى بلد المنشأ أو إلى المتضررين. وكل مرحلة من هذه المراحل يمكن أن تتحول إلى نزاع قضائي يستمر سنوات.

ويشير المسؤول عن أمريكا اللاتينية في “المركز الدولي لاسترداد الأصول” التابع لمعهد بازل للحوكمة، أوسكار سولورزانو، إلى أن استرداد الأموال يتطلب أدلة قوية على المصدر غير المشروع للأصول، إلى جانب التعاون الدولي والأحكام القضائية، وفي كثير من الحالات ترتيبات تحدد كيفية استخدام الأموال بعد إعادتها.

وتقول سويسرا إنها شددت خلال العقود الماضية إجراءات مراقبة الأموال الأجنبية، خصوصاً تلك المرتبطة بالشخصيات السياسية البارزة. وتُلزم قواعد مكافحة غسل الأموال المؤسسات المالية بالتحقق من هوية العملاء ومصدر ثرواتهم والمستفيد الفعلي من الحسابات والشركات، مع فرض إجراءات تدقيق إضافية على السياسيين وأقاربهم وشركائهم.

وعندما تكتشف البنوك مؤشرات على احتمال غسل الأموال، يمكنها إحالة المعلومات إلى مكتب الإبلاغ عن غسل الأموال في سويسرا، الذي يقوم بتحليل البيانات وإحالتها عند وجود شبهات كافية إلى سلطات إنفاذ القانون.

لكن العقبة الأساسية تظهر عندما تكون الجريمة المزعومة قد وقعت خارج الأراضي السويسرية. ففي هذه الحالة يصبح التعاون القضائي مع الدولة الأصلية ضرورياً، وتتحمل الدولة المطالبة بالأموال مسؤولية تقديم الوثائق والأدلة التي تسمح للمحققين والمحاكم السويسرية بربط الأموال بجريمة محددة.

وفي حالة مصر، لم يكن تجميد نحو 600 مليون فرنك سويسري هو المشكلة الرئيسية، بل عدم القدرة على الانتقال من مرحلة التجميد المؤقت إلى المصادرة النهائية. ومع مرور الوقت، أصبح غياب الملفات القضائية الكافية سبباً في الإفراج التدريجي عن الأموال.

وتكشف التجربة المصرية أيضاً جانباً آخر من الجدل حول النظام المالي السويسري. فعلى الرغم من تطوير قوانين مكافحة غسل الأموال واستعادة أكثر من ملياري دولار من أصول غير مشروعة لمسؤولين أجانب، لا تزال سويسرا تواجه انتقادات بشأن بطء الإجراءات وصعوبة مصادرة الأموال والأرباح الناتجة عن الفساد الدولي.

وفي إحدى القضايا المرتبطة بشركة “غلينكور”، فرضت السلطات السويسرية غرامات ومصادرات بلغت ملايين الدولارات نتيجة أنشطة غير قانونية، لكن الأموال لم تُعد إلى المتضررين في جمهورية الكونغو الديمقراطية، بل بقيت ضمن الخزينة السويسرية بسبب القيود القانونية التي لم تعترف بالمنظمات المطالبة بالتعويض كأطراف متضررة في القضية.

كما أثيرت انتقادات داخل سويسرا نفسها بشأن فعالية نظام مكافحة غسل الأموال. وسبق لمسؤولين وخبراء أن أشاروا إلى أن مليارات الفرنكات من الأصول المشبوهة يتم الإبلاغ عنها سنوياً، في حين لا يُصادر سوى جزء محدود منها.

وتبقى تجربة مصر مثالاً واضحاً على أن استرداد الأموال المنهوبة لا يتحقق بمجرد الإعلان عن تجميد الحسابات أو سقوط نظام سياسي. فبين لحظة تجميد الأصول ولحظة إعادتها إلى الدولة مسار قانوني دولي طويل، يحتاج إلى تحقيقات متماسكة وأدلة دقيقة وأحكام قابلة للتنفيذ وتعاون فعلي بين أجهزة القضاء.

وبالنسبة للقاهرة، انتهى الجزء الأكبر من هذا المسار إلى نتيجة معاكسة لما كان متوقعاً بعد ثورة 2011: الأموال التي اعتُبرت في البداية مرشحة للعودة إلى مصر لم تُصادر بسبب عدم إثبات مصدرها الإجرامي وفق المعايير القضائية المطلوبة، لتتحول قضية الأصول المجمدة من ملف سياسي ضخم إلى نموذج عملي على صعوبة تحويل الاشتباه في الأموال المنهوبة إلى حكم قضائي دولي نهائي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى