Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
تقارير

أوروبا وتركيا.. حليف داخل الغرب وخارج حساباته

تكشف دراسة حديثة للمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية أن العلاقة بين أوروبا وتركيا دخلت مرحلة جديدة تتجاوز ثنائية الانتماء إلى الغرب أو الابتعاد عنه، بعدما طورت أنقرة نموذجاً يقوم على الحفاظ على موقعها داخل المنظومة الغربية، مع بناء قدر واسع من الاستقلال في السياسة الخارجية والدفاعية.

ووصفت الدراسة التي نشرت تحت عنوان “الغريب من الداخل: مفارقة العلاقة بين أوروبا وتركيا”، تركيا بأنها “قوة خارجية راسخة”، أي دولة لا تنسحب من الغرب ولا تندمج فيه بصورة كاملة، وإنما تستخدم موقعها داخل حلف شمال الأطلسي وعلاقاتها الاقتصادية مع أوروبا والتكنولوجيا الغربية لبناء هامش أوسع من الحركة.

وترى أنقرة، وفق الدراسة، أن البقاء داخل النظام الغربي يمنحها أدوات النفوذ التي تحتاجها، بينما يتيح لها الاستقلال في الوقت نفسه التعامل مع روسيا والصين ودول الخليج والقوى الإقليمية الأخرى دون الالتزام الكامل بمواقف أي طرف.

وتشير الدراسة إلى أن تركيا باتت تمتلك مجموعة من الأدوات التي تعزز استقلال قرارها، بينها قوات منتشرة خارج حدودها، وصناعة دفاعية تجاوزت صادراتها 10 مليارات دولار، وموقع جغرافي يربط أوروبا بالشرق الأوسط وآسيا الوسطى والبحر الأسود، إضافة إلى شبكة دبلوماسية واسعة وقدرة على التواصل مع أطراف لا تستطيع العديد من الدول الأوروبية الوصول إليها.

لكنها، في المقابل، لا تزال تعتمد على حلف الناتو في أمنها، وعلى الأسواق الأوروبية في تجارتها، وعلى رأس المال والتكنولوجيا الغربية في قطاعات صناعية ودفاعية مهمة.

وتوضح الدراسة أن هذا التناقض لم يبدأ مع الرئيس رجب طيب أردوغان، لكنه تحول خلال عهده إلى سياسة أكثر وضوحاً.

فقد انتقلت تركيا من مرحلة التركيز على الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي والإصلاحات الداخلية إلى توسيع حضورها العسكري والسياسي في سوريا والعراق وليبيا والقوقاز، ثم عادت منذ عام 2021 إلى تحسين علاقاتها مع عدد من الدول الغربية والإقليمية، من دون التخلي عن هدف الاستقلال الاستراتيجي.

وتشير الدراسة إلى أن هذا النهج قد يستمر حتى في حال تغير القيادة السياسية في أنقرة. فالحفاظ على حرية الحركة، وتطوير الصناعة الدفاعية، وتنويع الشراكات وعدم الاعتماد على قوة واحدة، أصبحت عناصر مرتبطة بمصالح مؤسسات ونخب وقطاعات اقتصادية وعسكرية، وليس فقط بخيارات أردوغان الشخصية.

وتورد الدراسة استطلاعات رأي تشير إلى استمرار دعم قطاعات من المجتمع التركي لفكرة الاستقلال عن الاستقطاب بين القوى الكبرى.

ويظهر الاعتماد المتبادل بصورة أوضح في الاقتصاد. ويحتفظ الاتحاد الأوروبي بمكانة مركزية في الاقتصاد التركي، إذ استحوذ في عام 2025 على 42.7% من صادرات السلع التركية و35.3% من وارداتها، بينما بلغ حجم التجارة بين الطرفين 217.6 مليار يورو. كما ترتبط المصانع التركية بسلاسل الإنتاج الأوروبية في قطاعات السيارات والأجهزة المنزلية والآلات والمنسوجات والإلكترونيات.

ويستمر الترابط كذلك في المجال الأمني. فتركيا عضو في الناتو منذ عام 1952 وتمتلك ثاني أكبر قوة عسكرية في الحلف، بينما تعتمد بعض برامجها الدفاعية المتقدمة على محركات ومكونات وشهادات وتمويل وأسواق غربية.

وفي الوقت نفسه، طورت أنقرة صناعة دفاعية محلية متنامية، وأصبحت صادراتها الدفاعية والطيران أحد مصادر نفوذها الخارجي. وتظهر المفارقة في أن تركيا تزيد استقلالها العسكري جزئياً من خلال اندماجها في سلاسل الإنتاج والتكنولوجيا الغربية، وليس عبر الانفصال عنها.

وتبرز سوريا وأوكرانيا كاختبارين مهمين لهذا النموذج. ففي أوكرانيا، دعمت تركيا كييف عسكرياً واعترفت بوحدة أراضيها، لكنها رفضت الانضمام إلى العقوبات الغربية ضد موسكو وحافظت على قنوات اتصال معها.

وأسهم هذا الموقف في تمكين أنقرة من لعب أدوار في اتفاقية الحبوب وتبادل الأسرى، مع استمرار علاقاتها الدفاعية مع أوكرانيا.

وفي سوريا، منحت العمليات العسكرية والوجود الأمني والعلاقات السياسية تركيا نفوذاً واسعاً، لكن الدراسة تشير إلى أن النفوذ لا يعني بالضرورة القدرة على تمويل إعادة الإعمار أو بناء ترتيبات مستقرة بمفردها.

وتحتاج أنقرة إلى رأس المال الأوروبي والخليجي وإلى التكنولوجيا والعلاقات الاقتصادية الغربية، ما يعيد إنتاج المفارقة نفسها: الاستقلال التركي يحتاج إلى شبكة العلاقات التي توفرها أوروبا والغرب.

ويظهر الجانب الأكثر صعوبة في شرق المتوسط، حيث تتعارض السياسة التركية بصورة مباشرة مع مصالح دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي، خصوصاً اليونان وقبرص.

وأدى النزاع حول الحدود البحرية والتنقيب عن الغاز وقضية قبرص إلى فرض عقوبات أوروبية على تركيا عام 2020، بينما لا تزال الخلافات الأساسية قائمة. وتعتبر الدراسة أن هذا الملف يمثل أحد أبرز حدود قدرة أوروبا على التعامل مع استقلال تركيا، لأن الضغط والعقوبات لم يحلا جذور النزاع.

وتخلص الدراسة إلى أن التحدي الأوروبي لم يعد يتمثل في محاولة دفع تركيا إلى اختيار معسكر نهائي، بل في إدارة علاقة تقوم على الاعتماد المتبادل. وتقترح تعميق التعاون عندما تتقاطع المصالح، وربط الامتيازات الأوروبية بالتزامات متبادلة، واستخدام أدوات الوصول إلى الأسواق والتكنولوجيا والدفاع بصورة مشروطة عندما تتعارض سياسات أنقرة مع المصالح الأوروبية الأساسية.

وتضع الدراسة بذلك العلاقة بين الطرفين أمام معادلة واضحة: لا تستطيع أوروبا تجاهل تركيا بسبب موقعها العسكري والاقتصادي والجغرافي، ولا تستطيع تركيا الاستغناء عن أوروبا بسبب اعتمادها على الأسواق ورأس المال والتكنولوجيا الغربية.

وبينما تواصل أنقرة بناء استقلالها الاستراتيجي، يبقى هذا الاستقلال نفسه مرتبطاً بدرجة كبيرة بالبنية الغربية التي تسعى تركيا إلى توسيع هامش حركتها داخلها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى