تفاصيل الإخفاق الأوروبي في بلورة توافق لفرض إجراءات ضد المستوطنات الإسرائيلية

أخفق الاتحاد الأوروبي في التوصل إلى توافق يسمح بفرض إجراءات ضد المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة، في وقت أطلق فيه حزمة تمويل تقارب 900 مليون يورو لدعم التعافي المبكر في قطاع غزة، بمشاركة جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في اجتماع دولي للمانحين.
وفشل وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في اجتماع عقد في بروكسل في حشد الأغلبية اللازمة لإلزام المفوضية الأوروبية بتقديم مقترحات رسمية لفرض قيود تجارية على منتجات المستوطنات الإسرائيلية، رغم اتفاق الدول الأعضاء على أن تلك المستوطنات غير قانونية بموجب القانون الدولي.
وشهد الاجتماع نقاشات وصفت بأنها “متوترة” بين الدول المطالبة باتخاذ خطوات عملية ضد إسرائيل وتلك الرافضة لأي إجراءات جديدة، بينما انتهى الاجتماع دون إصدار قرارات تنفيذية، الأمر الذي اعتبره دبلوماسيون أوروبيون انتكاسة جديدة لمحاولات تشديد الضغط على إسرائيل.
وكانت مجموعة من الدول، من بينها إسبانيا وبلجيكا وهولندا، قد دفعت باتجاه إلزام المفوضية الأوروبية بتقديم تدابير محددة للتصويت عليها، تشمل حظر التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية أو فرض تعريفات جمركية أو اعتماد نظام خاص لتراخيص الاستيراد.
إلا أن 11 دولة فقط أيدت رسمياً مطالبة المفوضية بإعداد هذه التدابير، وهو عدد لم يبلغ الأغلبية البسيطة المطلوبة، ما حال دون انتقال الملف إلى مرحلة التصويت على إجراءات عملية.
وأكدت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس أن جميع الدول الأعضاء تتفق على عدم شرعية المستوطنات الإسرائيلية، لكنها أقرت بأن الاقتراح لم يحصد العدد الكافي من الأصوات لفرض تحرك أوروبي جديد.
وأضافت أن السياسات الأوروبية الحالية لم تحقق نتائج ملموسة في الحد من التجارة مع المستوطنات بسبب تفاوت تطبيقها بين الدول الأعضاء، مشيرة إلى أن السفراء الأوروبيين سيواصلون مناقشة الملف، مع احتمال عقد اجتماع استثنائي لاحقاً.
وفي المقابل، تمسكت المفوضية الأوروبية بموقفها الرافض لطرح إجراءات تنفيذية للتصويت، مكتفية بعرض ورقة خيارات تضمنت فرض حظر تجاري أو رسوم جمركية أو نظام تراخيص للواردات القادمة من المستوطنات.
كما أكدت المفوضية أن أي عقوبات على إسرائيل تتطلب إجماع الدول الأعضاء، بينما ترى كالاس أن التدابير التجارية يمكن اعتمادها بالأغلبية المؤهلة، وهو خلاف قانوني وسياسي ساهم في تعطيل أي قرار.
ووصف دبلوماسي أوروبي مؤيد للعقوبات الوضع بأنه “مزعج”، معتبراً أن استمرار النقاش دون طرح إجراءات للتصويت يطيل حالة الجمود ويمنع اختبار مدى وجود أغلبية حقيقية لاتخاذ خطوات ضد إسرائيل.
وفي الوقت الذي عجز فيه الاتحاد الأوروبي عن الاتفاق على إجراءات ضد المستوطنات، انتقل إلى إطلاق واحدة من أكبر المبادرات المالية الخاصة بقطاع غزة منذ اندلاع الحرب.
وأعلنت المفوضية الأوروبية إطلاق مبادرة “فريق غزة” بحزمة تمويل أولية تبلغ 883.6 مليون يورو، بمشاركة 65 وفداً دولياً، بهدف دعم التعافي المبكر وإعادة الخدمات الأساسية في القطاع.
وستخصص الأموال لمشاريع المياه والصرف الصحي وإدارة النفايات والرعاية الصحية والطاقة والزراعة والأمن الغذائي، إلى جانب إعادة تأهيل البنية التحتية والخدمات الاجتماعية.
وشهد المؤتمر مشاركة لافتة لجاريد كوشنر عبر الاتصال المرئي، باعتباره عضواً في المجلس التنفيذي لمجلس السلام الخاص بغزة والمدعوم من الولايات المتحدة، وهو المجلس الذي تضطلع واشنطن عبره بدور رئيسي في رسم ترتيبات مرحلة ما بعد الحرب.
وأكد مسؤول أوروبي أن مشاركة كوشنر جاءت في إطار مساعي بروكسل لتنسيق جهودها مع الولايات المتحدة ومجلس السلام والسلطة الفلسطينية والمؤسسات الدولية العاملة في ملف إعادة إعمار القطاع.
وأكدت مفوضة الاتحاد الأوروبي لشؤون البحر المتوسط دوبرافكا شويكا أن المرحلة الحالية تتطلب تحركاً عاجلاً لإعادة الخدمات الأساسية لسكان غزة، معتبرة أن الأوضاع الإنسانية لم تعد تحتمل مزيداً من التأخير.
وأضافت أن المبادرة تستهدف استعادة الخدمات الاجتماعية والاقتصادية، وإعادة تأهيل البنية التحتية الحيوية، وتعزيز قدرات الحوكمة في القطاع خلال مرحلة التعافي.
وشارك في تمويل المبادرة الاتحاد الأوروبي وبنك الاستثمار الأوروبي، إلى جانب المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا وإسبانيا وإيطاليا وهولندا والدنمارك والنرويج وفنلندا والسويد وبلجيكا وسويسرا واليابان والبنك الدولي، مع توقع انضمام دول أخرى خلال الأشهر المقبلة.
كما دعا الاتحاد الأوروبي إسرائيل إلى الإفراج عن أموال المقاصة الفلسطينية المحتجزة، مؤكداً أن استمرار احتجازها يفاقم الأزمة المالية للسلطة الفلسطينية ويهدد قدرتها على دفع الرواتب والحفاظ على الخدمات العامة.
ويعكس تزامن فشل الاتحاد الأوروبي في الاتفاق على إجراءات ضد المستوطنات مع إطلاقه برنامجاً مالياً ضخماً لإعادة إعمار غزة استمرار المفارقة داخل المؤسسات الأوروبية.
إذ نجحت بروكسل في توحيد المواقف بشأن تمويل التعافي الإنساني، لكنها أخفقت مجدداً في التوصل إلى موقف موحد بشأن ممارسة ضغوط سياسية أو اقتصادية مباشرة على إسرائيل، وسط استمرار الانقسام بين العواصم الأوروبية حول حدود التعامل مع الحكومة الإسرائيلية وسياساتها في الأراضي الفلسطينية المحتلة.




