أزمة داخلية تهدد دبلوماسية الاتحاد الأوروبي بعد تصاعد التوتر مع إسرائيل

دخل جهاز العمل الخارجي الأوروبي، ذراع دبلوماسية الاتحاد الأوروبي، مرحلة غير مسبوقة من الجدل الداخلي، في ظل تصاعد الخلافات بين مؤسسات الاتحاد بشأن إدارة السياسة الخارجية، ولا سيما بعد الأزمة التي فجرتها الانتقادات الأوروبية لإسرائيل، والتي كشفت حجم الانقسام داخل بروكسل وأثارت تساؤلات بشأن مستقبل الجهاز الدبلوماسي الأوروبي وقدرته على التأثير في الملفات الدولية.
وتشير معطيات أوروبية إلى أن جهاز العمل الخارجي الأوروبي يواجه ضغوطاً متزايدة على أكثر من صعيد، تشمل تقليص الميزانيات، وتراجع النفوذ السياسي، وتداخل الصلاحيات مع المفوضية الأوروبية، في وقت يرى فيه مسؤولون ودبلوماسيون أوروبيون أن التوتر الأخير مع إسرائيل كشف هشاشة الموقع الذي يشغله الجهاز داخل منظومة صنع القرار الأوروبي.
ويأتي ذلك في وقت تعيش فيه السياسة الخارجية الأوروبية واحدة من أكثر مراحلها تعقيداً، مع استمرار الحرب في أوكرانيا، والتوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط، وتراجع التنسيق عبر الأطلسي، وهو ما أعاد فتح النقاش حول قدرة الاتحاد الأوروبي على امتلاك سياسة خارجية موحدة ومستقلة.
وبحسب مسؤولين أوروبيين، فإن الأزمة تفاقمت بعد تصريحات نُسبت إلى مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس، استخدمت فيها توصيف “الفصل العنصري” عند الحديث عن إسرائيل، وهو ما دفع وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر إلى إعلان وقف التواصل معها، في خطوة اعتُبرت سابقة دبلوماسية بين الجانبين.
وأدى الموقف الإسرائيلي إلى تداعيات مباشرة داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي، بعدما أصبحت رئيسة الدبلوماسية الأوروبية عاجزة عن التواصل مع نظيرها الإسرائيلي، في حين واصلت المفوضية الأوروبية إدارة علاقاتها مع الحكومة الإسرائيلية بصورة طبيعية، الأمر الذي أظهر انقساماً واضحاً داخل البنية المؤسسية للاتحاد.
وبرز هذا التناقض بصورة لافتة عندما زارت مفوضة شؤون المتوسط دوبرافكا شويكا إسرائيل، وعقدت مؤتمراً صحفياً مشتركاً مع وزير الخارجية الإسرائيلي، بالتزامن مع استمرار القطيعة السياسية بين تل أبيب ورئيسة الدبلوماسية الأوروبية.
ورأى دبلوماسيون أوروبيون أن المشهد عكس ازدواجية واضحة في تمثيل الاتحاد الأوروبي، حيث بدت المفوضية الأوروبية قادرة على الحفاظ على قنوات الاتصال مع إسرائيل، بينما وجد جهاز العمل الخارجي الأوروبي نفسه خارج دائرة الحوار مع أحد أهم شركائه في المنطقة.
واعتبر مسؤولون أن هذه التطورات أضعفت مصداقية السياسة الخارجية الأوروبية، وأظهرت غياب التنسيق بين مؤسسات الاتحاد، خصوصاً في الملفات الحساسة المتعلقة بالشرق الأوسط.
ويؤكد مراقبون أن الأزمة مع إسرائيل لم تكن سوى انعكاس لمشكلة أعمق تتعلق بطبيعة توزيع الصلاحيات داخل الاتحاد الأوروبي، إذ تمتلك المفوضية الأوروبية أدوات مالية وتجارية وتنموية واسعة تمنحها قدرة أكبر على إدارة العلاقات الخارجية، في حين يقتصر دور جهاز العمل الخارجي الأوروبي على التنسيق السياسي والدبلوماسي دون امتلاك أدوات تنفيذية فعالة.
ويرى عدد من المسؤولين الأوروبيين أن هذا الخلل الهيكلي أدى تدريجياً إلى تراجع نفوذ الجهاز الدبلوماسي الأوروبي لصالح المفوضية، التي توسعت خلال السنوات الأخيرة في إدارة ملفات السياسة الخارجية، مستفيدة من صلاحياتها الاقتصادية والمالية.
وأشار مسؤول أوروبي إلى وجود تيار داخل كل من مجلس الاتحاد الأوروبي والمفوضية الأوروبية يدعو إلى إعادة النظر في مستقبل جهاز العمل الخارجي الأوروبي، بل إن بعض الأطراف ترى أن استمرار الجهاز بصيغته الحالية لم يعد ضرورياً في ظل تضخم دور المفوضية.
وتزامنت هذه النقاشات مع استمرار انتقال عدد من كبار المسؤولين والخبراء من جهاز العمل الخارجي الأوروبي إلى المفوضية الأوروبية، في مؤشر اعتبره دبلوماسيون دليلاً إضافياً على تراجع مكانة الجهاز داخل المنظومة الأوروبية.
وفي محاولة لاحتواء الأزمة، أعلنت كالاس عن سلسلة تغييرات في المناصب القيادية داخل الجهاز، شملت تعيين وزيرة الدفاع الهولندية السابقة كايسا أولونغرين في موقع قيادي، إلى جانب إعادة هيكلة عدد من الإدارات، مع تعهد بإطلاق إصلاحات أوسع بعد انتهاء الصيف.
إلا أن مسؤولين أوروبيين شككوا في قدرة هذه الإجراءات على معالجة جذور الأزمة، معتبرين أن المشكلة تتجاوز الأشخاص، وترتبط ببنية مؤسساتية تجعل جهاز العمل الخارجي الأوروبي أقل تأثيراً مقارنة بالمفوضية الأوروبية.
كما يواجه الجهاز تحدياً إضافياً يتمثل في احتمال تعرضه لتخفيضات جديدة في الميزانية ضمن الإطار المالي الأوروبي المقبل، وهو ما قد ينعكس على حجم بعثاته الدبلوماسية وانتشاره الخارجي.
ويرى خبراء أن الانتقادات المتبادلة مع إسرائيل وما تبعها من تعليق قنوات الاتصال السياسية حملت تداعيات تتجاوز العلاقة الثنائية، إذ أضعفت قدرة الاتحاد الأوروبي على لعب دور الوسيط في ملفات إقليمية معقدة، وفي مقدمتها الحرب في غزة، وترتيبات وقف إطلاق النار، ومستقبل العلاقات الأوروبية الإسرائيلية.
كما عززت الأزمة الانطباع بوجود سياسة خارجية أوروبية متعددة المراكز، حيث تتحرك المفوضية الأوروبية، والمجلس الأوروبي، وجهاز العمل الخارجي الأوروبي في بعض الأحيان بمسارات متوازية، الأمر الذي ينعكس على وضوح الرسائل السياسية الصادرة عن بروكسل.
وفي المقابل، يواصل الاتحاد الأوروبي التأكيد على أهمية الحفاظ على جهاز دبلوماسي موحد يمثل مصالح الدول الأعضاء، خاصة في ظل تنامي المنافسة الدولية وتصاعد الأزمات الأمنية، إلا أن استمرار الخلافات المؤسسية، إلى جانب تداعيات الأزمة مع إسرائيل، يضع مستقبل جهاز العمل الخارجي الأوروبي أمام اختبار غير مسبوق.
ويحذر مسؤولون أوروبيون من أن أي تراجع إضافي في دور الجهاز سيؤدي إلى تقليص قدرة الاتحاد على تنسيق مواقفه الخارجية، وسيمنح المفوضية الأوروبية نفوذاً أكبر في إدارة الملفات الدولية، بما يعيد رسم توازنات القوة داخل مؤسسات الاتحاد، في وقت تتزايد فيه التحديات الجيوسياسية التي تتطلب سياسة خارجية أكثر تماسكاً وفاعلية.




