غضب الشارع المجري يُسقط أوربان رغم دعم ترامب واليمين المتطرف

بودابست – لم تنجح سنوات التلاعب بالساحة الانتخابية ولا إحكام السيطرة على مؤسسات الدولة في إنقاذ رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان من هزيمة ساحقة في الانتخابات، منهيةً حقبة استمرت أكثر من عقد ونصف من الحكم.
ولم يكن الدعم الصاخب الذي تلقاه أوربان من حلفائه في حركة “لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى”، وعلى رأسهم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونائب الرئيس جيه دي فانس، كافياً لتغيير مسار الانتخابات، في ظل رفض شعبي متزايد للتدخلات الخارجية في المنافسة السياسية داخل البلاد.
وأظهرت النتائج أن امتيازات السلطة، التي استغلها أوربان طويلاً لإعادة تشكيل النظام السياسي لصالحه، تحولت إلى عبء ثقيل، في وقت عبّر فيه الناخبون عن غضبهم من الفساد والمحسوبية والانهيار الاقتصادي المرتبط بحكم حزبه “فيدس”.
ورغم هذا التحول الواضح في المزاج الشعبي، تمسك أوربان بالنهج ذاته الذي اعتمده في ثلاث انتخابات سابقة، مقدماً نفسه كحامٍ وحيد للمصالح المجرية، ومصعّداً خطاب التخويف من تهديدات خارجية، حيث اتهم منافسه بيتر ماغيار بالسعي لجر البلاد إلى الحرب عبر التحالف مع الاتحاد الأوروبي والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي.
لكن هذا الخطاب لم يعد يقنع الناخبين، الذين ركزوا على القضايا المعيشية اليومية، في انتخابات وُصفت بأنها “انتخابات لقمة العيش”.
وساهم هذا التحول في منح ماغيار، زعيم حزب “تيزا” المنتمي ليمين الوسط، فرصة لتعويض الفجوة الناتجة عن سيطرة أوربان على الإعلام والتلاعب بالدوائر الانتخابية، ليحقق اختراقاً سياسياً غير مسبوق.
وفقد أوربان، الذي كان يُنظر إليه كأحد أبرز قادة الشعبوية في أوروبا، زخمه السياسي نتيجة عوامل متراكمة، أبرزها الفساد المستشري، وتدهور البنية التحتية، وصعود طبقة حاكمة متهمة باستغلال السلطة لتحقيق مكاسب شخصية.
وقال كاتب سيرة أوربان، بال دانييل ريني، إن الحماس كان واضحاً في تجمعات المعارضة، في حين بدا غائباً بشكل لافت في فعاليات الحكومة، ما عكس التحول العميق في الشارع المجري.
ولم تفلح محاولات دعم أوربان من قبل شخصيات اليمين المتطرف في أوروبا، مثل مارين لوبان وخيرت فيلدرز وماتيو سالفيني، إضافة إلى تأييد أليس فايدل من حزب “البديل من أجل ألمانيا”، في تغيير اتجاه الناخبين، الذين تجاهلوا هذه الرسائل الخارجية وركزوا على واقعهم الاقتصادي.
وأكد مارتون تومبوس، وهو مشرع معارض، أن التدخلات الخارجية لم يكن لها أي تأثير يُذكر، مشيراً إلى أن شخصيات مثل فانس “غير معروفة لدى الشعب المجري”، وأن الرهان على تأثيرها كان “ساذجاً”.
في المقابل، اعتمد ماغيار استراتيجية مختلفة، حيث ركز بشكل مكثف على القضايا الاقتصادية، مهاجماً حزب “فيدس” بسبب الفساد، ومشيراً إلى اتساع الفجوة بين ثراء النخبة الحاكمة وتدهور أوضاع المواطنين.
وأوضح خبراء أن التضخم، والركود الاقتصادي، وتراجع فرص العمل كانت في صلب اهتمامات الناخبين، وهو ما استثمره ماغيار في حملته الانتخابية بشكل فعال.
وقال الخبير ماتياس بودي إن “غلاء المعيشة ونقص الفرص الاقتصادية وقلة الوظائف” كانت العوامل الحاسمة في هزيمة أوربان، إلى جانب تدهور الخدمات العامة مثل الصحة والتعليم والنقل.
كما نجح ماغيار في توسيع قاعدته الانتخابية، مستقطباً الشباب والطبقة العاملة، وهي فئات كانت تقليدياً ضمن قاعدة أوربان، عبر خطاب يركز على “مجر حديثة أوروبية”.
وحافظ ماغيار على انضباطه خلال الحملة، متجنباً الاستفزازات السياسية، ومصراً على إبقاء النقاش في إطار القضايا المعيشية، وهو ما عزز صورته كبديل جاد.
كما كثف حضوره الميداني في المدن والقرى، بما في ذلك معاقل حزب “فيدس”، في خطوة لم يجرؤ عليها منافسو أوربان السابقون، ما عزز تواصله المباشر مع الناخبين.
ويرى محللون أن كشف ملفات الفساد لعب دوراً حاسماً، إذ أن الناخبين قد يتسامحون مع الفساد في ظل اقتصاد قوي، لكنهم ينقلبون عليه عندما تتدهور الأوضاع الاقتصادية.
وأشار خبراء إلى أن أوربان بدا مرتبكاً في مواجهة ماغيار، الذي وصف بأنه “نسخة مصغرة منه” من حيث الخطاب القومي، لكن مع تركيز أكبر على مكافحة الفساد.
وفي خضم الحملة، بدا أن أوربان أدرك مبكراً احتمالية خسارته، وهو ما انعكس في تصعيده السياسي ضد خصومه ومحاولاته المتكررة لاستفزازهم، في محاولة أخيرة لتغيير مسار المعركة.
لكن النتيجة النهائية أكدت أن المزاج الشعبي قد تغيّر، وأن حقبة أوربان، التي اتسمت بالهيمنة السياسية والشعبوية، وصلت إلى نهايتها تحت ضغط الاقتصاد والغضب الشعبي.




