حملة واسعة في أيرلندا تطالب بإلغاء مباراتي منتخب كرة القدم أمام إسرائيل

تتصاعد في أيرلندا حملة واسعة تطالب بإلغاء مباراتي منتخب كرة القدم أمام إسرائيل في دوري الأمم الأوروبية المقرر إقامتهما خلال شهري سبتمبر وأكتوبر المقبلين، وسط احتجاجات متزايدة يقودها ناشطون ومنظمات رياضية ومدنية.
وتؤكد الاحتجاجات الحاصلة أن استمرار إقامة المباريات يمنح إسرائيل غطاءً رياضيًا رغم استمرار حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة، بينما يتمسك الاتحاد الأيرلندي لكرة القدم بالتزاماته تجاه الاتحاد الأوروبي لكرة القدم “يويفا”، محذرًا من تداعيات مالية ورياضية جسيمة في حال الانسحاب.
وشهدت الأشهر الأخيرة اتساع نطاق حملة “أوقفوا اللعبة”، التي تقودها مجموعة “الرياضة الأيرلندية من أجل فلسطين” إلى جانب روابط مشجعي أندية الدوري الأيرلندي ونقابات عمالية ومنظمات مجتمع مدني، للمطالبة بإلغاء المواجهتين وعدم خوض أي مباريات ضد المنتخب الإسرائيلي، سواء داخل أيرلندا أو خارجها.
ورغم أن الاتحاد الأيرلندي لكرة القدم أقر في وقت سابق إقامة المباراتين على ملاعب محايدة بدلًا من استضافة إسرائيل في دبلن، فإن هذا القرار لم ينهِ الجدل، إذ يؤكد منظمو الحملة أن المشكلة لا تتعلق بمكان إقامة المباراة، بل بمبدأ اللعب مع إسرائيل في ظل استمرار الحرب في غزة.
ويقول منظمو الحملة إن نقل المباريات إلى المجر وصربيا لا يغير من موقفهم، مؤكدين استمرار التحركات والاحتجاجات خلال الأشهر المقبلة، مع دراسة أشكال مختلفة من التصعيد للضغط على الاتحاد الأيرلندي والاتحاد الأوروبي لكرة القدم من أجل استبعاد إسرائيل من البطولات الأوروبية.
وأكدت ريبيكا أوكيف، من مجموعة “الرياضة الأيرلندية من أجل فلسطين”، أن الحملة ستدخل مرحلة جديدة خلال الفترة المقبلة، معتبرة أن أسباب المطالبة بالمقاطعة لم تتغير، وأن استمرار الحرب في غزة يعزز المطالب بوقف المباريات، مشيرة إلى أن النشطاء مصممون على مواصلة الضغط حتى إلغاء اللقاءات.
كما شدد ناشطون من روابط مشجعي الدوري الأيرلندي على أن القضية لا تتعلق بالملاعب أو بالجوانب التنظيمية، وإنما بالموقف الأخلاقي من مشاركة إسرائيل في المنافسات الرياضية، معتبرين أن المقاطعة الرياضية يجب أن تكون جزءًا من الضغوط الدولية.
في المقابل، يرى عدد من اللاعبين السابقين والنقابيين أن فرص إلغاء المباريات أصبحت محدودة، في ظل التزام الاتحاد الأيرلندي بلوائح “يويفا”، مؤكدين أن أي تغيير حقيقي قد يتطلب موقفًا جماعيًا من اللاعبين أنفسهم، وهو أمر لا تبدو مؤشراته متوافرة حتى الآن.
ويأتي هذا الجدل في وقت تمر فيه كرة القدم الأيرلندية بمرحلة دقيقة، إذ يعاني الاتحاد المحلي من أزمة مالية مزمنة، مع ديون تقدر بنحو 38 مليون يورو، إضافة إلى خطة لتقليص عدد الموظفين واعتماد مالي كبير على دعم الاتحاد الأوروبي لكرة القدم، وهو ما يجعل أي عقوبات محتملة مصدر قلق كبير للمسؤولين عن اللعبة.
وأثار قرار الاتحاد الأيرلندي الإبقاء على المباراتين انقسامًا واضحًا بين المؤسسة الرياضية وقواعدها الجماهيرية، بعدما شهدت البلاد سلسلة من الاحتجاجات، شملت رفع لافتات داعمة لفلسطين في المدرجات، وإلقاء كرات تنس تحمل ألوان العلم الفلسطيني داخل الملعب خلال مباراة ودية، إضافة إلى وقفات احتجاجية أمام البرلمان ومقر الاتحاد الأيرلندي لكرة القدم.
وامتد الجدل إلى الساحة السياسية، حيث طالب عدد من النواب الأوروبيين والساسة الأيرلنديين باستبعاد إسرائيل من المنافسات الرياضية، معتبرين أن الاتحاد الأوروبي لكرة القدم كان ينبغي أن يتخذ قرارًا بهذا الشأن منذ وقت طويل، بينما شدد آخرون على ضرورة استخدام أدوات الضغط الدبلوماسي والاقتصادي بدلًا من تحميل اللاعبين مسؤولية الأزمة.
وأدت الأزمة كذلك إلى خلافات داخل الأندية المحلية، بعدما تحدثت شخصيات رياضية وسياسية عن تعرضها لضغوط بسبب مواقفها المؤيدة لمقاطعة المباريات، وهو ما يعكس حجم الانقسام الذي أحدثته القضية داخل الوسط الرياضي الأيرلندي.
ويؤكد الاتحاد الأيرلندي لكرة القدم أن رفض خوض المباراتين سيكلف اللعبة خسائر مالية مباشرة تقدر بنحو 5.5 ملايين يورو، مع احتمال ارتفاعها إلى أكثر من 10 ملايين يورو، فضلًا عن مخاطر التعرض لعقوبات رياضية قد تشمل الهبوط في تصنيف المسابقات أو الإضرار بملفات استضافة البطولات الأوروبية المستقبلية.
ويشير مسؤولون في الاتحاد إلى أن أيرلندا تستعد لاستضافة مباريات في بطولة كأس الأمم الأوروبية 2028، كما تسعى لاستضافة نهائي دوري أبطال أوروبا للسيدات عام 2029، وهو ما يجعل الدخول في مواجهة مباشرة مع الاتحاد الأوروبي لكرة القدم قرارًا يحمل تبعات كبيرة على مستقبل اللعبة في البلاد.
في المقابل، يشكك منظمو حملة المقاطعة في تقديرات الاتحاد بشأن حجم الخسائر المحتملة، معتبرين أن العقوبات التي يجري الحديث عنها تبقى افتراضية، وأن من حق أيرلندا الطعن في أي قرارات قد تصدر بحقها أمام محكمة التحكيم الرياضي، مستشهدين بتجارب سابقة شهدت استبعاد منتخبات ودول من المنافسات الدولية لأسباب سياسية وأمنية.
كما يؤكد النشطاء أنهم ينسقون مع مجموعات مؤيدة لفلسطين في دول أوروبية أخرى، بينها النمسا، لتوسيع نطاق الحملة خلال الفترة المقبلة، مع استمرار الضغوط على الهيئات الرياضية الأوروبية لاتخاذ موقف من مشاركة إسرائيل في البطولات.
وتسلط الأزمة الضوء على التناقض الذي يراه مراقبون بين المواقف السياسية المعلنة في أيرلندا الداعمة للحقوق الفلسطينية وبين التردد في اتخاذ خطوات عملية داخل المؤسسات الرياضية، في ظل الضغوط القانونية والمالية التي يفرضها الاتحاد الأوروبي لكرة القدم.
ومع اقتراب موعد المباراتين، تبدو كرة القدم الأيرلندية أمام اختبار صعب يجمع بين الالتزامات الرياضية والضغوط السياسية والشعبية، فيما يواصل منظمو حملة المقاطعة التأكيد أن تحركاتهم لن تتوقف، وأن معركة استبعاد إسرائيل من المنافسات الرياضية الأوروبية ما زالت مفتوحة، حتى لو أقيمت مباريات دوري الأمم في موعدها المقرر.




