أوروبا تتجه لتشديد تفسير حقوق الإنسان في قضايا الهجرة وسط ضغوط شعبوية

اتفقت الحكومات الأوروبية على “توضيح” كيفية تطبيق الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان في قضايا الهجرة، في خطوة تهدف إلى مواجهة الضغوط والهجمات الشعبوية المتزايدة على الاتفاقية التي مضى على اعتمادها 75 عاماً.
وخلال اجتماع عقد في العاصمة المولدوفية كيشيناو، الجمعة، أصدرت الدول الأعضاء الـ46 في مجلس أوروبا إعلاناً يمنح المحاكم الوطنية صلاحية اعتماد معيار “عالٍ” عند تطبيق بعض الحقوق المرتبطة بقضايا الهجرة.
ويأتي هذا التطور في ظل تصاعد الجدل داخل عدد من الدول الأوروبية بشأن تأثير الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان على قرارات الهجرة والترحيل، إلى جانب تزايد التهديدات السياسية بالانسحاب من المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان.
وحذر الإعلان، الذي تم الاتفاق عليه بالإجماع، من أن تجاهل المخاوف المتعلقة بقضايا الهجرة قد يؤدي إلى “إضعاف ثقة الجمهور في نظام الاتفاقية”.
وكانت المملكة المتحدة من أبرز الدول التي دفعت نحو هذا التغيير، خاصة بعد إعلان حزب الإصلاح البريطاني وحزب المحافظين عزمهما الانسحاب من المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في حال فوزهما بالانتخابات العامة المقررة عام 2029.
وقالت وزيرة الداخلية البريطانية إيفيت كوبر إن الإعلان الجديد “سيضمن عدم إمكانية استغلال أنظمة الهجرة بصورة غير عادلة لمنع ترحيل المجرمين الأجانب أو المتهمين بارتكاب جرائم في الخارج”.
وأضافت أن الإعلان “يعكس حقائق اليوم”، مؤكدة أن الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان تمثل مثالاً على “كيف تجعل الشراكات الدولية بريطانيا أقوى داخلياً”.
من جهته، قال المدعي العام البريطاني ريتشارد هيرمر إن هذا التوضيح سيساهم في ضمان استمرار الاتفاقية الأوروبية “لمدة 75 عاماً أخرى وما بعدها”.
وأكد هيرمر، في تصريحات على هامش قمة كيشيناو، أن حكومة حزب العمال تستخدم شراكاتها الأوروبية لتحقيق المصالح البريطانية، منتقداً دعوات المحافظين وحزب الإصلاح للانسحاب من المحكمة الأوروبية.
وقال: “على عكس المحافظين والإصلاحيين الذين يريدون ببساطة الابتعاد عن حلفائنا، فإننا نؤمن بأن التغيير ممكن من داخل النظام”.
وأضاف أن انسحاب بريطانيا من المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان “لن يحل أيّاً من التحديات التي تواجه البلاد”، محذراً من أن ذلك سيضع المملكة المتحدة إلى جانب روسيا وبيلاروسيا فقط خارج مجلس أوروبا.
وأوضح أن هذه الخطوة ستؤدي إلى “عزل بريطانيا دولياً وتقديم وعود زائفة للشعب البريطاني”.
ويتضمن الإعلان الجديد عدة نقاط رئيسية تتعلق بطريقة تفسير الحقوق المنصوص عليها في الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، خاصة في ملفات الهجرة والترحيل.
وأشار الإعلان إلى أن معيار اعتبار أي معاملة “لا إنسانية أو مهينة” بموجب المادة الثالثة من الاتفاقية يجب أن يكون “عالياً ومتسقاً”.
كما أكد أن تطبيق الحق في الحياة الأسرية المنصوص عليه في المادة الثامنة يجب أن يراعي “التوازن” بين الحقوق الفردية والمصالح العامة للدول.
وشددت الوثيقة على ضرورة تجنب “القيود غير الضرورية” التي قد تعيق قرارات تسليم أو ترحيل الأجانب.
ورغم أن الإعلان لا يغيّر نصوص الاتفاقية الأوروبية نفسها، فإنه يسعى إلى التأثير على كيفية تفسيرها وتطبيقها من قبل الحكومات والمحاكم الوطنية.
وأكد الإعلان أن للدول “حقاً سيادياً لا يمكن إنكاره” في التحكم بدخول الأجانب إلى أراضيها والإقامة فيها، إضافة إلى وضع سياساتها الخاصة بالهجرة.
وأضاف أن للدول الحق في إدارة ملف الهجرة بما يخدم “المصلحة العامة”، سواء بصورة منفردة أو ضمن تعاون إقليمي ودولي، شرط الالتزام بأحكام الاتفاقية الأوروبية.
من جانبه، قال الأمين العام لمجلس أوروبا آلان بيرسيه إن الدول الأوروبية نجحت في التوصل إلى موقف مشترك رغم اختلاف وجهات النظر والخبرات بين الحكومات.
وأضاف أن الإعلان الجديد سيساعد في توجيه عمل الحكومات والمحاكم الوطنية في التعامل مع قضايا الهجرة المعقدة خلال المرحلة المقبلة.
ويأتي هذا التطور في وقت تشهد فيه أوروبا تصاعداً في الخطابات السياسية الداعية إلى تشديد قوانين الهجرة والحد من تأثير المحاكم الدولية على السياسات الوطنية، خاصة مع تنامي نفوذ الأحزاب اليمينية والشعبوية في عدد من الدول الأوروبية.




