“وثائق دبي”.. أول إدانات تكشف كواليس شبكة تهرب ضريبي أخفت مئات الملايين

سجل القضاء الفرنسي أول إدانة لأفراد عملوا داخل شبكة “وثائق دبي” للتهرب الضريبي وغسل الأموال، في تطور اعتبر خطوة رمزية ضمن أحد أكبر التحقيقات المالية العابرة للحدود التي كشفت استخدام هياكل خارجية لإخفاء أموال عن السلطات الضريبية الأوروبية.
وكشفت صحيفة “لوموند” الفرنسية أن مكتب المدعي المالي الوطني الفرنسي (PNF) حصل للمرة الأولى منذ فتح التحقيق عام 2019 على إدانة شخصين عملا داخل منظمة “هيلين إنترناشونال” (Hélin International)، التي كانت تعرف سابقًا باسم Jawer SA، والمتهمة بإدارة أموال مخفية لصالح عملاء فرنسيين وبلجيكيين.
وتشكل هذه الإدانة محطة جديدة في القضية التي شملت، بحسب التحقيقات، إخفاء ما لا يقل عن 200 مليون يورو عن مصلحة الضرائب الفرنسية عبر شبكة استفاد منها 322 دافع ضرائب.
وأقر الرجلان بالوقائع خلال جلسة وفق آلية الإقرار المسبق بالذنب المعروفة في القانون الفرنسي باسم CRPC، قبل أن يصادق قاض في باريس على عقوبات بالسجن مع وقف التنفيذ وغرامات مالية تم الاتفاق عليها مع مكتب المدعي المالي.
وأدين المتهمان بتهم غسل الأموال ضمن عصابة منظمة مرتبطة بالتهرب الضريبي، إضافة إلى التآمر الجنائي.
وتعد “وثائق دبي” واحدة من أبرز فضائح الأموال المخفية خلال السنوات الأخيرة، بعدما كشفت تسريبات ضخمة وجود منظومة مالية استخدمت شركات خارجية وحسابات سرية لإدارة ثروات بعيدًا عن أعين السلطات الضريبية.
وتعود القضية إلى تسريب أكثر من 200 ألف وثيقة داخلية كشفت شبكة مرتبطة بمجموعة Hélin International، التي عملت في مجال إدارة الثروات عبر هياكل مالية خارجية.
وتقول التحقيقات إن الشبكة وفرت لعملائها وسائل لإخفاء ملكية الأموال عبر شركات أوفشور وحسابات مصرفية وآليات تحويل معقدة.
ومن المقرر أن تشهد محكمة باريس الجنائية في نوفمبر/تشرين الثاني محاكمة الشخصيات الرئيسية في الملف، وفي مقدمتهم الممول البلجيكي هنري دي كروي، الذي تعتبره السلطات الفرنسية العقل المدبر للشبكة.
ويتهم مكتب المدعي المالي الفرنسي دي كروي بأنه كان في قلب تصميم وتنظيم منظومة واسعة للتهرب الضريبي وغسل الأموال.
لكن دي كروي ينفي الاتهامات، وقدم للمحققين تفسيرًا يعتبر أن الخدمات التي وفرها كانت عبارة عن “هياكل تحسين ضريبي بدرجة عالية من السرية”، بهدف السماح للعملاء بتأجيل دفع الضرائب وليس التهرب منها.
غير أن عدداً من المتهمين الآخرين أقروا خلال التحقيق بأنهم شاركوا في نظام واسع لإخفاء الأموال.
ومن بين المدانين جان كريستوف، الذي عمل بين عامي 2007 و2010 مسؤول امتثال داخل Jawer، وهي البنية التي أسسها دي كروي في سويسرا قبل نقل النشاط لاحقًا إلى الإمارات العربية المتحدة.
وكان يفترض أن تكون مهمة مسؤول الامتثال التأكد من شرعية مصادر أموال العملاء، لكنه أقر بأن دوره الفعلي كان إنشاء هياكل خارجية تساعد على إخفاء هوية أصحاب الأموال والحسابات المرتبطة بها.
وقالت المدعية كارولين جينان إن دوره لم يكن مكافحة غسل الأموال، بل المشاركة في “احتيال ضريبي واسع النطاق”.
ودافع الرجل عن نفسه بالإشارة إلى وضعه الوظيفي، مؤكدًا أنه كان تحت ضغط إداري وخشي فقدان عمله.
كما قال محاميه إن موكله لم يكن من منظمي النظام أو مهندسيه، بل مجرد عنصر تنفيذي داخل الشبكة. وقد حكم عليه بالسجن ثلاث سنوات مع وقف التنفيذ وغرامة قدرها 30 ألف يورو.
أما المتهم الثاني فلوران، فكان يعمل في المرحلة الأخيرة من عملية غسل الأموال، وهي إعادة الأموال إلى أصحابها.
وبحسب التحقيق، كانت الأموال تعاد في البداية عبر بطاقات مصرفية مجهولة مسبقة الدفع، ثم عبر تسليم مبالغ نقدية مباشرة بعد جلبها خصوصًا من سويسرا.
وتشير التحقيقات إلى أن إجمالي الأموال التي أعيد تسليمها لعملاء فرنسيين بهذه الطريقة تجاوز 21 مليون يورو بين عامي 2010 و2018.
وقال فلوران إنه وزع نحو 500 ألف يورو خلال ثلاث سنوات وحصل مقابل ذلك على ما بين 20 و25 ألف يورو، مؤكدًا أنه يندم على المشاركة في هذه العمليات. وقد صدر بحقه حكم بالسجن 18 شهرًا مع وقف التنفيذ وغرامة 23 ألف يورو.
وخلال الإجراءات نفسها، أدين زوجان متقاعدان استفادا من خدمات المجموعة بتهم التهرب الضريبي المشدد وغسل الأموال.
ومنذ عام 2021، قبل عدد من العملاء ومسؤول مصرفي سويسري مرتبط بالمجموعة إجراءات الإقرار بالذنب لتسوية أوضاعهم.
ولا تزال التحقيقات مستمرة بحق عشرات العملاء، إذ حدد المحققون قائمة تضم 119 مقيمًا ضريبيًا فرنسيًا يشتبه في تورطهم بغسل أموال مرتبطة بالتهرب الضريبي، بينما قدمت السلطات الضريبية شكاوى ضد 56 منهم.
وتكشف القضية كيف تحولت بعض المراكز المالية الخارجية إلى أدوات لإخفاء الثروات ونقل الأموال بعيدًا عن الرقابة، فيما تستعد فرنسا لمحاكمة أكبر المتهمين في الملف ضمن قضية قد تكشف مزيدًا من تفاصيل شبكة “وثائق دبي”.




