الغارديان: توظيف اليمين الأوروبي لأزمة سبتة يهدد بتكرارها

حذر الكاتب والأكاديمي البريطاني روبن أندرسون، من أن توظيف اليمين الأوروبي لأزمة المهاجرين الأخيرة في مدينة سبتة الإسبانية من شأنه أن يزيد احتمالات تكرار مثل هذه الأزمات مستقبلاً، معتبراً أن حالة الذعر السياسي والانقسام داخل الاتحاد الأوروبي تمنح شبكات تهريب البشر والقوى الإقليمية أدوات ضغط إضافية على أوروبا، وفق ما أورده في مقال نشرته صحيفة الغارديان.
وقال أندرسون في مقال نشرته صحيفة الغارديان البريطانية، إن ردود الفعل التي أعقبت وصول عشرات الآلاف من المهاجرين إلى الجيب الإسباني جاءت منسجمة مع خطاب اليمين المتشدد، الذي سارع إلى تحميل الحكومة الإسبانية مسؤولية ما جرى وربط الأزمة بسياسات الهجرة التي تنتهجها مدريد، بينما صدرت مواقف مماثلة من مسؤولين وشخصيات سياسية في الولايات المتحدة وإسرائيل وعدد من الدول الأوروبية.
وأشار المقال إلى أن حزب “فوكس” الإسباني اليميني وصف ما حدث بأنه “غزو”، وحمّل رئيس الوزراء بيدرو سانشيز مسؤولية الأزمة بسبب سياساته المتعلقة بالمهاجرين، فيما دعت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني إلى تعليق عضوية إسبانيا في منطقة شنغن، وهو موقف أيدته الدنمارك وفنلندا، بينما وجّه 22 من قادة الاتحاد الأوروبي رسالة تضمنت انتقادات لإدارة مدريد لملف الهجرة.
واعتبر الكاتب أن هذه المواقف تتجاهل حقيقة أن سبتة ليست نموذجاً لسياسة هجرة ليبرالية، بل تمثل واحدة من أكثر الحدود الأوروبية عسكرة، حيث تعتمد على منظومات مراقبة متطورة تشمل الطائرات المسيّرة وأجهزة الاستشعار والكاميرات الحرارية وأبراج المراقبة الرقمية، إلى جانب التعاون الأمني مع السلطات المغربية.
وأوضح أن تشديد الإجراءات الأمنية لم يمنع استخدام ملف الهجرة كورقة ضغط سياسية، مستشهداً بأحداث عام 2021 عندما شهدت سبتة تدفقاً كبيراً للمهاجرين بعد توتر العلاقات بين مدريد والرباط على خلفية استقبال إسبانيا زعيم جبهة البوليساريو إبراهيم غالي لتلقي العلاج.
وأضاف أن الحدود شهدت هدوءاً نسبياً بعد إعلان الحكومة الإسبانية عام 2022 دعمها للمقترح المغربي بشأن الصحراء الغربية، معتبراً أن هذا التطور يعكس ارتباط استقرار الحدود بالظروف السياسية أكثر من ارتباطه بالإجراءات الأمنية.
وأشار الكاتب إلى أن الحكومة الإسبانية أرجعت التدفق الأخير إلى نشاط شبكات تهريب البشر وانتشار معلومات مضللة عبر وسائل التواصل الاجتماعي بشأن قرار قضائي يتعلق بالمهاجرين الذين يصلون بحراً، بينما عزت السلطات المغربية ما حدث إلى “منظمات إجرامية”، مؤكدة استمرار التعاون مع مدريد.
إلا أن المقال يرى أن هذه التفسيرات لا تقدم إجابة كاملة عن أسباب ما حدث، لافتاً إلى تقارير إعلامية وشهادات تحدثت عن تراجع الرقابة على الحدود من الجانب المغربي، وعدم إبلاغ الأجهزة الأمنية الإسبانية بالحملات الإلكترونية التي شجعت على العبور، إضافة إلى شهادات أفادت بأن بعض عناصر إنفاذ القانون شجعوا المهاجرين على التوجه نحو الحدود.
ورأى الكاتب أن اعتماد الاتحاد الأوروبي المتزايد على دول خارج التكتل لضبط الهجرة جعله أكثر عرضة للضغوط السياسية، معتبراً أن أنظمة عدة استخدمت ملف الهجرة خلال السنوات الماضية كورقة تفاوض مع أوروبا، على غرار ما حدث سابقاً مع ليبيا وتركيا، وهو ما يجعل هذا الأسلوب أكثر فاعلية كلما ازداد القلق الأوروبي من الهجرة.
كما تناول المقال التطورات الجيوسياسية المحيطة بالمغرب، مشيراً إلى تعزز علاقاته مع الولايات المتحدة وإسرائيل خلال السنوات الأخيرة، وتنامي التعاون العسكري بين الرباط وتل أبيب، إضافة إلى مواقف صدرت عن مسؤولين أمريكيين وإسرائيليين تناولت وضع سبتة ومليلية، وهو ما اعتبره الكاتب جزءاً من بيئة سياسية أكثر تعقيداً.
ورغم تأكيده أن ذلك لا يشكل دليلاً على وجود “مؤامرة”، رأى الكاتب أن الأزمة حملت أبعاداً جيوسياسية استخدم فيها آلاف المهاجرين كورقة ضغط، وهو ما أسفر عن سقوط أكثر من سبعين قتيلاً، بحسب ما ورد في المقال.
وانتقد الكاتب طريقة تعامل عدد من القادة الأوروبيين مع الأزمة، معتبراً أن التركيز على التصعيد السياسي وإلقاء اللوم المتبادل بدلاً من تعزيز التنسيق الأوروبي يضعف موقف الاتحاد الأوروبي ويزيد فرص تكرار الأزمات مستقبلاً.
وختم الكاتب مقاله بالدعوة إلى تبني سياسة أوروبية مختلفة في ملف الهجرة تقوم على تخفيف حالة الذعر السياسي، وتعزيز الدبلوماسية مع دول الجوار، ومواجهة شبكات التهريب، بدلاً من الخطابات التي تؤدي، بحسب رأيه، إلى تعميق الانقسامات داخل الاتحاد الأوروبي وتوفير مزيد من أدوات الضغط للفاعلين الإقليميين.




